أشار مركز «صوفان» للأبحاث، ومقره واشنطن، إلى عودة أزمة الهجرة غير النظامية لتتصدر السياسات والحملات الانتخابية في أوروبا من جديد، سواء على مستوى الدول أو الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعيد وضع ليبيا ومنطقة شمال أفريقيا في دائرة الاهتمام الأوروبي في هذا الشأن.
وانتقد المركز، في تحليل نشره أمس السبت، قرار السلطات الليبية تعليق عمل منظمات دولية غير حكومية العاملة في مجال الهجرة، معتبرا أنه «مجرد محاولة لتأكيد نفوذها في هذا الملف أمام الدول الأوروبية»، وسط مطالب متنامية من قِبل منظمات دولية بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان بحق المهاجرين في ليبيا، ومحاسبة المسؤولين.
التحريض ضد المهاجرين
قال المركز الأميركي إن موقف السلطات الليبية من المنظمات الدولية غير الحكومية يعكس تصريحات مماثلة، وُصفت بـ«التحريضية»، أطلقها الرئيس التونسي قيس سعيد بالعام 2023، تحدث فيها عن «مؤامرة إجرامية دولية لتغيير التركيبة السكانية في تونس بشكل دائم».
وتثير التصريحات في ليبيا وتونس مخاوف متنامية بالفعل من أن يؤدي هذا الخطاب إلى ردود فعل عنيفة وتمييز ضد المهاجرين. وأشار «صوفان» إلى مخاوف من «رد فعل عنيف ضد المهاجرين واللاجئين من جنوب الصحراء الكبرى في أعقاب اتهامات السلطات الأمنية».
- «الأمن الداخلي» يتهم منظمات دولية غير حكومية بالضلوع في مخطط لتوطين مهاجرين ويقرر قفل مقارها في ليبيا
- «وسط الخبر» يناقش: طرد المنظمات.. عقدة مؤامرة أم مخاطر وطنية ضاغطة؟
- الطرابلسي: 4 ملايين مهاجر داخل ليبيا ولن نتحمل وحدنا أعباء الهجرة
ولا تزال ليبيا نقطة العبور الرئيسية للاجئين والمهاجرين غير النظاميين الساعين للوصول إلى أوروبا، التي انتقدت قرار السلطات المحلية تعليق عمل المنظمات الدولية وإغلاق مكاتبها بحجة أنها «تقدم مساعدات إنسانية بغرض إعادة توطين المهاجرين الأفارقة في ليبيا».
جهود أوروبية بلا نتائج
تطرق تحليل مركز «صوفان» إلى السياسات الأوروبية القائمة لمعالجة أزمة الهجرة غير النظامية، مشيرا إلى إبرام عدد من الدول الأوروبية شراكات مختلفة مع مجموعات مسلحة غير تابعة للحكومة في ليبيا، لم تنجح في وقف تدفقات الهجرة.
وقال: «استمرت أنشطة تهريب المهاجرين في نهاية المطاف، مما عزز موقف التشكيلات المسلحة في الهياكل الاقتصادية والحكومة في ليبيا. كما استفادت من دعم الاتحاد الأوروبي».
ولفت إلى «تشكل نمط من العلاقات مدعومة بضبط الهجرة ضمن اتجاه أوسع نطاقا للدول الأوروبية، بما في ذلك ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا، يقوم على الاستعانة بمصادر خارجية لإدارة الهجرة في بلدان العبور».
وأضاف «صوفان»: «عرضت أوروبا الدعم السياسي والمحفزات المالية لدول المعبر، مثل ليبيا وتونس والمغرب، لكبح تدفقات الهجرة غير النظامية، مما حول تلك الدول إلى منفذين رئيسيين لسياسة الحدود الأوروبية».
نفوذ أكبر
غير أن تحليل المركز الأميركي حذر من أن هذا التحول في السياسات الأوروبية والاعتماد على دول المعبر منحا تلك الدول نفوذا أكبر، مكنها من ممارسة ضغوط على الاتحاد الأوروبي.
ويتخوف من أن «النهج الأوروبي إزاء أزمة الهجرة قد أسهم في تسهيل الممارسات الاستبدادية من خلال تزويد الأنظمة بآليات قمعية متقدمة، وتفتيت منطقة المغرب العربي غير المستقرة بالفعل».
وقد خصص الاتحاد الأوروبي ما يقرب من 87.2 مليون يورو منذ العام 2017 لإدارة الحدود وضبط الهجرة في ليبيا. وجرى تخصيص جزء كبير من تلك الأموال لأنشطة الوكالات الأوروبية، مثل «فرونتكس»، التي دعمت ليبيا بأدوات المراقبة وأنظمة جمع البيانات البيومترية، وقدمت لها الدعم اللوجستي.
ولا تخضع أنشطة «فرونتكس» لموافقة المفوضية الأوروبية أو البرلمان الأوروبي، مما يثير مخاوف جدية بشأن آلية المحاسبة الديمقراطية.
إيطاليا تتصدر سياسات الهجرة في أوروبا
برزت إيطاليا تحت إدارة حكومة جورجيا ميلوني لاعبا محوريا يقود الجهود الأوروبية لحل أزمة الهجرة، وتولت دور «شرطي الحدود» الفعلي لأوروبا في شمال أفريقيا.
وقد أعلنت إيطاليا، في الثاني من أبريل الجاري، تخصيص عشرين مليون يورو لتمويل عمليات إعادة طوعية لأكثر من ثلاثة آلاف وثلاثمئة مهاجر من منطقة جنوب الصحراء، وهو قرار تزامن مع إعلان السلطات الليبية تعليق عمل المنظمات الدولية غير الحكومية.
وعّد تحليل «صوفان» أنه «يمكن تفسير هذا التزامن في القرار الإيطالي والليبي على أنه جهد منسق للحد من الهجرة تحت ستار توفير الحكم الذاتي للمهاجرين، ومحاولة لصرف الانتباه عن مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان التي يواجهها البلدان».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات