ما اعتبره كثيرون في ليبيا وربما خارجها «سقطة سياسية» لحكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» تفتح أبواب التطبيع مع الإسرائيليين أتاح الفرصة، من جهة أخرى، لخصوم هذه الحكومة لتوسيع دائرة الاحتجاجات والمطالبة بإقالتها، ومحاسبتها استناداً إلى قانون المقاطعة الليبي الذي يجرِّم كل أشكال التعامل مع «إسرائيل»، في إشارة إلى لقاء «المنقوش–كوهين» قبل سنة ونصف السنة.
وزادت التصريحات المتناقضة لوزيرة الخارجية بـ«حكومة الوحدة» الموقوفة نجلاء المنقوش وهي تروي في بودكاست الجزيرة «360» كواليس لقائها مع وزير الخارجية الإسرائيلي السابق إيلي كوهين أغسطس 2023 من إغراق الدبيبة في شبهة التورط في التطبيع بدوافع واهية، فمن جهة تقول إن اجتماع روما لم يكن رسمياً، لتؤكد، من جهة أخرى، أن «حكومة الوحدة» رتبت أجندته، وهي كانت مجرد وسيط لتبليغ رسالة ذات طبيعة استراتيجية، منها ما يتعلق بموارد ليبيا في البحر المتوسط.
الدبيبة يكتفي بالصمت
وعلى الرغم من احتجاجات الشارع خلال اليومين اللذين أعقبا مقابلة المنقوش، خاصة في طرابلس ومصراتة، اكتفى الدبيبة بالصمت، وهو مدرك لمدى رفض الليبيين للتطبيع أو الاعتراف بدولة الاحتلال، استناداً إلى آخر استطلاع للرأي أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات العام 2023 عن رفض ليبي بنسبة 96 %.
- للاطلاع على العدد «477» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وخرج وزير الخارجية المكلف بحكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» الطاهر سالم الباعور، الخميس، في مقابلة مع قناة «الجزيرة مباشر» ليبرِّئ حكومته من تهمة التطبيع، وقال «إن ليبيا لا تربطها أي علاقات مع إسرائيل»، مضيفاً «نحن لسنا دولة حدودية مع هذا الكيان، ولا يوجد أي مبرر لأي شكل من أشكال تطبيع العلاقات معه».
عون يفند تصريحات المنقوش
لكن الوزير لم يرد على المنقوش واتهاماتها، التي نفى جزءًا منها وزير النفط والغاز في حكومة الدبيبة، محمد عون، وفند صحة ما صرحت به وزيرة الخارجية الموقوفة عن العمل بشأن مناقشتها لملف الطاقة مع الوزير الإسرائيلي، والمحافظة على الموارد الليبية النفطية والمائية.
وقال عون، الذي يعيش خلافاً مع الدبيبة منذ أشهر، إنه لا توجد أي علاقة تربط ليبيا بالكيان الإسرائيلي في أي مجال من مجالات الطاقة، ولا حتى أي حدود بحرية مشتركة، وإن ليبيا انسحبت من منتدى غاز شرق المتوسط منذ انضمام الكيان للمنتدى.
لماذا تهتم «إسرائيل» بالتطبيع مع ليبيا؟
ويبدو أن التركيز الإسرائيلي على الطاقة في البحر المتوسط، ووضع ليبيا في دائرة «الاتفاقيات الإبراهيمية» يخفي أسباباً كشف عنها المعهد الأميركي «أوريسيا ريفيو»؛ حيث تنظر إلى التطبيع مع ليبيا على أنه استثمار سياسي واقتصادي استراتيجي، وبمثابة انتصار كبير لإسرائيل. الأخيرة التي تدعم تشكيل حكومة ليبية تلغي اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا.
وتخطط تل أبيب لبناء خطوط أنابيب غاز تحت البحر كجزء من مشروع «إيست ميد» لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا، لكن المسار المخطط له يتقاطع مع المنطقة البحرية بين تركيا وليبيا على النحو المحدد في اتفاقية العام 2019 بين أنقرة وحكومة الوفاق السابقة.
ولم يكن لقاء المنقوش مسؤولاً إسرائيلياً هو الأول من نوعه، لكن سبقته قائمة أسماء مسؤولين ليبيين، وفق ما كشفته وسائل إعلام عبرية قبل أعوام.
ويقضي القانون الليبي بالحبس لمدة لا تقل عن 3 سنوات، ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تتجاوز 5 آلاف دينار عقاباً لكل مَن يعقد اتفاقاً مع أي نوع من هيئات أو أشخاص مقيمين في «إسرائيل»، أو منتمين إليها بجنسياتهم، أو يعملون لحسابها.
مطالبات بالتحقيق مع الدبيبة والمنقوش
وطالب المجلس الأعلى للدولة بالتحقيق مع رئيس حكومة «الوحدة الموقتة» عبدالحميد الدبيبة، ووزيرة خارجيته السابقة بسبب لقاء وزير الخارجية الإسرائيلي. ودعا خالد المشري، المتنازع على رئاسة مجلس الأعلى للدولة، النائب العام، الأربعاء، لمحاكمة الدبيبة والمنقوش، وكل المتورطين في تنسيق اجتماعها السري مع كوهين العام قبل الماضي في إيطاليا، وعرض نتائج التحقيق أمام الشعب الليبي.
وطالب «حراك 17 فبراير» الناشط في مدينة مصراته، التي ينتمي إليها الدبيبة، النائب العام بالتحقيق مع جميع المتورطين في تنظيم لقاء «المنقوش–كوهين»، وكشف أسمائهم لضمان محاسبتهم.
- للاطلاع على العدد «477» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
ودعا التجمع في بيان الوطني للأحزاب الليبية إلى محاسبة كل من رتَّب ونسق للقاء روما، والاتجاه نحو تشكيل حكومة جديدة لا إقصاء فيها، وتتمتع بسلطات قوية تمكنها من تحقيق الاستقرار والسيطرة الكاملة على الأراضي الليبية كافة.
الدبيبة أنكر مرارا مسؤوليته عن لقاء المنقوش-كوهين
وينكر الدبيبة مسؤوليته عن لقاء وزيرته مع الوزير الإسرائيلي، وعبَّر، في أكثر من مناسبة، عن رفضه التطبيع مع «إسرائيل»، لكن تصريحات نجلاء المنقوش الأخيرة تشير صراحة إلى أنه المسؤول عن ترتيب اللقاء وأجندته، لتضعه في زاوية حرجة لم يستبعد متابعون للشأن الليبي أن تكون سبباً في التعجيل برحيل حكومته، والذهاب باتجاه تشكيل حكومة جديدة، كما لم يستبعدوا أن يكون ظهور المنقوش، بعد أكثر من عام، جزءاً من سيناريو خارجي للإطاحة به ضمن صراع النفوذ والمصالح بين أطراف الخارج المؤثرة في الحالة الليبية.
ولا يزال السؤال المطروح في هذه الأجواء هو: هل يصر الدبيبة على خيار الصمت تجاه الاتهامات الموجهة إليه بشأن لقاء «المنقوش–كوهين» أم سيخرج عن صمته؟ وفي هذه الحالة، هل سيتراجع عن نكران مسؤوليته في واقعة اللقاء أم سيكشف عن معلومات أخرى قد تلتقي مع ما صرحت به المنقوش أو تناقضها؟
تعليقات