تعيش ليبيا، للمرة الأولى منذ سنوات، أجواء التنافس الانتخابي لاختيار المجالس البلدية على مرحلتين في ظل اهتمام غربي أممي للحدّ من احتمالات عرقلتها أمنياً، غير أن التنافس الحكومي والمناكفات السياسية على استقطاب المجالس المنتخبة بدأ مبكراً، وهو ما يعقد من مهامها مستقبلاً في حالة استمرار إشكالية «الحكومتين».
وتَحدد موعد الانتخابات البلدية بعد عدة تأجيلات من قبل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات منذ يونيو الماضي لإتاحة الفرصة لمشاركة أوسع في الاقتراع بعد أن أجريت للمرة الأولى في العام 2013، في حين يأمل الليبيون أن تكون بداية محفزة للتوافق على إجراء الاستحقاق البرلماني والرئاسي المؤجل وإنهاء الانقسامات في ظل وجود حكومتين.
انطلاق دعاية مرشحي الانتخابات البلدية
وانطلقت حملات الدعاية الانتخابية للمرشحين لانتخابات البلديات 27 أكتوبر الجاري وحتى يوم «الصمت الانتخابي» المحدد بيوم الجمعة 15 نوفمبر المقبل، بعدما أعلنت المفوضية أن اليوم الذي يليه السبت هو موعد التصويت في انتخابات (المجموعة الأولى–2024). وتجرى الانتخابات على مرحلتين في 58 بلدية لاختيار المجالس المحلية، وذلك من أصل 143 بلدية؛ حيث لن تجرى إلا في 106 منها ممن انتهت مدة مجالسها الانتخابية.
وطالبت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات المنظمات المعتمدة لمراقبتها إلى الاستعداد لمتابعة ومراقبة سير عملية الاقتراع بالتاريخ المحدد، والتقيد بمنهجية المراقبة القائمة على الحيادية والنزاهة التي تضفي مزيداً من المصداقية على العملية الانتخابية.
وأشار مجلس المفوضية إلى أن هذه هي أول تجربة له في تنفيذ انتخابات على هذا المستوى، مؤكداً عزم المفوضية على المضي قدماً في إجراء انتخابات المجموعة الثانية من المجالس البلدية مطلع العام المقبل، علماً بأن المجموعة الأولى تشمل 58 مجلساً بلدياً موزعة على مختلف مناطق البلاد تنقسم إلى 17 بلدية في المنطقة الجنوبية، و29 في المنطقة الغربية، و12 بلدية في المنطقة الشرقية.
هل تفتح الانتخابات البلدية الطريق أمام الانتخابات العامة؟
ويتساءل المتفائلون من المتابعين للشأن الليبي عما إذا كان انتخاب مجالس البلدية سيفتح الطريق أمام الاستحقاق الانتخابي العام رغم ظهور مخاوف أمنية وتحذيرات من أطراف نافذة تسعى لإفشال نزاهة الخطوة، وفق ما تحدثت عنه مفوضية الانتخابات في بيان سابق لها من «رصد لتحكم مسبق في تشكيل القوائم الانتخابية وتقرير من له حق الترشح».
ورحبت الأمم المتحدة وواشنطن وباريس بالتوجه نحو اختيار المجالس البلدية بشكل ديمقراطي، ووصفت البعثة ذلك بالخطوة المهمة نحو تعزيز الحكم المحلي والممارسة الديمقراطية في ليبيا. وحثت جميع السلطات والقادة السياسيين والجهات الأمنية الفاعلة على توفير بيئة آمنة وشفافة وشاملة للاستحقاق، مشددة على ضرورة أن يمتنع المرشحون ووسائل الإعلام ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي عن التحريض وخطاب الكراهية، ودعتهم إلى أن يتعاملوا مع هذه الانتخابات على أنها فرصة للإسهام بشكل إيجابي في بناء الحكم الديمقراطي في ليبيا.
انقسام السلطة التنفيذية يلقي بظلاله على الانتخابات البلدية
لكن ولاء المنتخبين المحليين لإحدى الحكومتين في طرابلس أو بنغازي سيلقي بثقله على مهامهم المنوطة بهم، ويعرقل تقدم المشاريع التنموية والخدمية، على خلفية ظاهرة تأثر عمداء البلديات بحالة الانقسام السياسي والتي كانت محكومة بقلة الموارد المالية والضغوط بتسليط العقوبات ضد أي مجلس بلدي يتبع جغرافياً لحكومة المكلف أسامة حماد أو خصمها حكومة عبدالحميد الدبيبة.
- للاطلاع على العدد «467» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
- البعثة الأممية تطالب بـ«بيئة آمنة وشفافة» للانتخابات البلدية
- 16 نوفمبر موعد الاقتراع في الانتخابات البلدية
- في خطاب إلى خوري.. 50 شخصية ليبية تطالب بحكومة مصغرة تشرف على الانتخابات
- ميلوني في ليبيا.. شراكة اقتصادية أم «شو إعلامي»؟
ووصلت آخر المناكفات بين الحكومتين إلى درجة رد رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» عبدالحميد الدبيبة على رفض حماد الاستجابة لمطالب شخصيات وطنية بإنشاء بلديات جديدة بالرد الإيجابي بالاستجابة لهذه المطالب.
طلب الدعم الدولي لتشكيل حكومة جديدة
وقد تكون هذه الأزمات وراء دعوة شخصيات وطنية ليبية في خطاب موجه إلى نائب المبعوث الأممي ستيفاني خوري وسفراء المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، وروسيا، والصين بضرورة تشكيل حكومة جديدة مصغرة يكون هدفها الأساسي الإشراف على الانتخابات.
وفي رسائل مباشرة لخصومه السياسيين في شرق البلاد اعتبر الدبيبة خلال اجتماع لحكومته في العاصمة طرابلس أن «تحقيق رغبة الشعب في الذهاب للانتخابات لتجديد الأجسام التشريعية والتنفيذية هي خط أحمر»، محذراً من أنه لن يقف مكتوف الأيدي أمام الفئة التي تعرقل الانتخابات وتصادر إرادة الشعب، وفق قوله.
زيارة ميلوني لطرابلس
في الأثناء وقَّعت حكومة الدبيبة ونظيرتها الإيطالية على ثماني اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات متعددة بحضور رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني أثارت في المقابل حفيظة مجلس النواب الذي يعتبر مثل هذه الخطوات «تصرفات أحادية»، وأعلن النائب عبدالمنعم العرفي عقد جلسة الإثنين المقبل في بنغازي لمناقشة اتفاقية محتملة أبرمها رئيس الحكومة الدبيبة مع شركة «إيني» الإيطالية بشأن حقل الحمادة النفطي.
وجرت خلال زيارة ميلوني إعادة تفعيل اتفاقية الصداقة والتعاون المتوقفة بين روما وطرابلس منذ 14عاماً والتي نصت على التزام إيطاليا بتقديم تعويض مالي يناهز 250 مليون دولار سنوياً على مدى عشرين عاماً، إضافة لبناء مستشفيات في ليبيا.
وفي سياق متصل كثفت فرنسا اتصالاتها مع الفرقاء الليبيين على مدار أكتوبر الجاري بقيادة المبعوث الخاص للرئيس إيمانويل ماكرون إلى ليبيا بول سولير، وسفير باريس لدى ليبيا مصطفى مهراج والتي صارت تسير وفق موقف يتجنب ترك المجال مفتوحاً للاعبين دوليين مناوئين لها مثل روسيا، لا سيما أن باريس تركز نظرها على المجال الاقتصادي ومجال الطاقة تحديداً؛ حيث تنشط شركة «توتال» الفرنسية في قطاع النفط والغاز داخل الأراضي الليبية.
تعليقات