تعقد الانقسامات المستمرة بين الأطراف الليبية الوصول إلى سلطة موحدة أو إجراء انتخابات في ظل تمسك كل طرف بموقعه مستندا إلى حجج يرى أنها تمنحه «الشرعية»، ومن ذلك ما يردده مجلس الدولة من حديث عن ضرورة وجود دور له بالرجوع إلى «اتفاق الصخيرات» الذي منح المجلس أحقية إبداء «الرأي الاستشاري» في إصدار القوانين.
وجرى التوقيع في 11 يوليو من العام 2015 بمدينة الصخيرات المغربية في ظروف سياسية وأمنية خاصة شهدتها البلاد، وتوصلت الأطراف المعنية إلى ثلاث نقاط أساسية، وانتهى الاتفاق بتشكيل حكومة الوفاق الوطني التي لم يعد لها وجود وانتهت باتفاق جنيف الذي جاء لاحقا بحكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» والمجلس الرئاسي.
وفي آخر فصول الخلافات، بدت على السطح أزمة بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، حول صلاحيات إقرار مشروع قانون الموازنة العامة للدولة.
- للاطلاع على العدد «453» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وقال صالح في لهجة تحد، إن مجلسه صاحب الاختصاص الحصري في إقرار الموازنة دون أي تدخل من المجالس الأخرى. وأضاف في رده على تكالة: «وفقًا للاتفاق السياسي فإن مجلس النواب هو السلطة التشريعية الوحيدة في البلاد في المرحلة الانتقالية».
وأضاف: «مضت مدة منذ 2015، هل شارك مجلس الدولة في إعداد الموازنة أو مناقشتها أو إقرارها... ما يقوله رئيس مجلس الدولة الاستشاري لا أساس له من صحيح القانون وحتى طبقًا للاتفاق السياسي الذي عفا عليه الزمن ويجب مراجعته»، حسب ما نقل عنه الناطق باسم مجلس النواب عبدالله بليحق.
رئيس مجلس الدولة يرفض التهميش
تكالة اتهم قبل ذلك مجلس النواب بـ«الإخلال بمقتضيات اتفاق الصخيرات التي تنص على إحالة هذا القانون إلى مجلس الدولة لإبداء الرأي بشأنه»، منتقدا «تمادي المجلس في تجاوزاته واختياره اتخاذ إجراءات وترتيبات إدارة الشأن العام بإرادته المنفردة».
ونسف هذا التلاسن اجتماعا ثلاثيا كان مقررا عقده بين عقيلة صالح وتكالة ومعهما رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي في القاهرة ثم تأجل مرة ثانية بعد ترحيله إلى المملكة المغربية كما كان مقررا نهاية يوليو الجاري بسبب تفاقم الخلاف حول القوانين الانتخابية وطبيعة الشخصيات التي ستقود المرحلة السياسية القادمة.
وفي القاهرة، اجتمع أعضاء من المجلسين المتصارعين الخميس الماضي، واتفقوا على تشكيل حكومة كفاءات موحدة لقيادة البلاد، وهو ما تفاعلت معه بعثة الأمم المتحدة في ليبيا بالتأكيد على أن «أي خطوات من هذا القبيل يجب أن تكون شاملة ومتضمنة مسارا واضحا نحو الانتخابات».
ويُرجع مراقبون استمرار التوتر السياسي إلى الاختلاف في تأويل مضامين اتفاق الصخيرات الذي يعطي اختصاص إقرار القوانين وميزانية الدولة لمجلس النواب، فيما يبقى رأي المجلس الأعلى للدولة مجرد «رأي استشاري» لا يعتد به وهو يعارضه مجلس الدولة.
اتفاق عفا عليه الزمن
ويؤكد رئيس الهيئة التأسيسية لحزب «التجمع الوطني» أسعد زهيو وجود إشكالية في فهم القوانين والنصوص في ليبيا، معتقدا أن اتفاق الصخيرات السياسي «عفا عليه الزمن منذ وقت بعيد، إذ لم يتحقق منه شيء إلا تقاسم السلطة بين الأطراف، وهذا الأمر لم يصمد طويلا ما تطلب الحاجة إلى اتفاق جديد توصلوا إليه قبل أربع سنوات».
وأكد زهيو في تصريح إلى «الوسط» الحاجة إلى إعادة النظر في هذا الاتفاق وترسيم آخر، «فحتى الأطراف التي بني عليها المشهد لم تعد موجودة في المشهد الليبي، وعوضت بأطراف جديدة».
وأضاف أن مجلس الدولة يعتبر نفسه شريكا في إنتاج القوانين الكبرى وتعيين حكومة على اعتبار أنه مجلس تشريعي يخوّل له اتفاق 2015 بأن يكون له رأي في إعطاء الثقة للحكومة وسحب الثقة منها، وهو أمر يرفضه عقيلة صالح.
واستبعد زهيو حدوث اتفاق بين المجلسين «فقد أثبتت الظروف في عدة محطات أنهما لم يتفقا على قضايا بسيطة جدا فكيف لهما الاتفاق الآن في ظل الخلافات المتفجرة؟».
وتسيطر الخلافات أيضا على عمل لجنة «6+6» المشكلة من مجلسي النواب والدولة التي أصدرت العام الماضي القوانين التي ستجرى عبرها الانتخابات المرتقبة، إلا أن بنودا فيها لاقت معارضة من بعض الأطراف.
ففي أكتوبر الماضي، أصدر مجلس النواب قوانين تتعلق بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بينما أعلن المجلس الأعلى للدولة التمسك بمخرجات لجنة «6+6» الموقعة في مدينة بوزنيقة المغربية. وتتمثل النقاط الخلافية في شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، حيث يصر مجلس الدولة وبعض الأحزاب على منع العسكريين ومزدوجي الجنسية من الترشح لرئاسة البلاد، في حين يؤكد مجلس النواب على عكس ذلك.
وما يعكس حالة الترهل التي وصلت إليه الهيئتان الانقسام الداخلي بين أعضائهما، ما برز في آخر اجتماع بالقاهرة حين تبرأ ممثلو مجلس الدولة من زملائهم الذين شاركوا فيه، وهم جميعا من كتلة «الوفاق الوطني» المعروفة بتقاربها مع مجلس النواب.
تكريس الانقسام
وحسب تصريح لأستاذ القانون والباحث السياسي رمضان التويغر أدلى به إلى «الوسط»، فإن الانسداد الحاصل في الساحة الليبية مرده إلى «اتفاق الصخيرات الذي بات يكرس حالة الانقسام السياسي والتشظي وبالتالي لابد من العمل على إزاحته نهائيا».
ويرى التويغر، أن الجمود سيستمر في ظل الأوضاع الراهنة، مستبعدا أن تأتي الطاولة الثنائية أو الثلاثية بين الرئاسات الثلاث (النواب والدولة والرئاسي) بجديد لأن «القضية متشابكة دوليا ومحليا والأطراف المتدخلة لديها رؤية بشأن تجميد الوضع والإبقاء عليه كما هو عليه، لحين الإفراغ من مسائل أخرى».
- للاطلاع على العدد «453» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وفي الأثناء طالب 31 حزبا سياسيا بخارطة طريق سياسية بترتيبات زمنية محددة، وضرورة مشاركة المواطنين في الموافقة على أي اتفاق سياسي وطني من خلال الاستفتاء الشعبي، لتوفير ضمانة رئيسة لتنفيذ أي اتفاق.
كما دعوا إلى فتح مسارات جديدة للعيش في سلام، مؤكدين أهمية عدم اختزال القرار السياسي في «الأجسام فاقدة الشرعية التي ثبت فشلها التام في إخراج البلاد من الانسداد السياسي».
تعليقات