أثارت الهجمات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة على مدى أربعة أيام في مضيق هرمز مخاوف من تقويض اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه حديثا، في وقت يبدي فيه الطرفان رغبة في إنهاء الحرب.
فيما يرى محللون أن تلك المخاطرة كانت ضرورية بالنسبة لإيران، التي تعتبر أن قدرتها على تعطيل حركة الملاحة في المضيق، تمثل ورقة ضغط استراتيجية لا يمكنها التخلي عنها، سواء على طاولة المفاوضات أو في حال تجدد الحرب مع الولايات المتحدة.
ورقة حاسمة
نقلت جريدة «نيويورك تايمز» الأميركية، في تقرير نشرته أمس الأحد، عن كبير محللي الشؤون الإيرانية في مجموعة الأزمات الدولية، علي واعظ، قوله إن إيران تحتاج إلى هذه الورقة سواء في أفضل السيناريوهات أو أسوأها، مضيفا أن «المسؤولين الإيرانيين يعتبرون السيطرة على المضيق أفضل وسيلة للحصول على تنازلات أميركية».
وتسعى إيران إلى الحصول على تخفيف للعقوبات المفروضة عليها منذ سنوات إذا مضى الطرفان نحو اتفاق نووي، وهو اتفاق من المرجح أن يتضمن تسليم إيران أو تخفيف مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يمكن استخدامه في تصنيع سلاح نووي.
- «فرانس برس»: أميركا وإيران تتفقان على مواصلة المحادثات ووقف الهجمات المتبادلة
- إيران تعلن الإفراج عن 6 مليارات دولار من أصولها المجمدة في قطر
وفيما تعتبر إيران برنامجها النووي، على الرغم من تأكيدها أنه مخصص للأغراض السلمية، وسيلة ردع أساسية، قالت «نيويورك تايمز» إن «الحرب الحالية أظهرت أن إيران تمتلك أيضا القدرة على إغلاق مضيق هرمز عبر هجمات محدودة، بما قد يؤدي إلى اضطراب واسع في الاقتصاد العالمي».
أهمية محورية
وقالت أيضا إن «مضيق هرمز يحتل أهمية محورية حتى في أسوأ السيناريوهات التي تفكر بها طهران»، مشيرة إلى اعتقاد بعض المسؤولين الإيرانيين أن إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ربما أبرمت اتفاقا أوليا مع طهران لكسب الوقت، عبر تخفيف الضغوط الاقتصادية قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية، ثم العودة إلى الحرب لاحقا.
وقال المحلل في مجموعة الأزمات الدولية واعظ: «هذه الورقة تمثل النفوذ الرئيسي لإيران، ولا يوجد ما يدعو إلى السماح بتآكلها قبل التوصل إلى اتفاق نهائي». في حين أشار خبراء إقليميون إلى أن طهران رأت أن واشنطن ربما كانت تسعى بالفعل إلى تقليص هذا النفوذ خلال الأسبوع الماضي.
وخلال جولة في عدد من دول الخليج، أكد وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، مرارا أن حرية الملاحة ستعود إلى مضيق هرمز، قبل أن تعلن سلطنة عمان والمنظمة البحرية الدولية إنشاء المسار الملاحي الجديد الذي يتجنب المياه الإيرانية.
هدنة هشة
من جانبه، قال المحلل المتخصص في الشأن الإيراني في معهد جنيف للدراسات العليا في سويسرا، فرزان ثابت، إن «الإيرانيين أدركوا أنهم يفقدون السيطرة، وربما خلصوا إلى أن نفوذهم لا يكون فعالا إلا خلال الحرب أو في ظل وقف إطلاق نار هش يتخلله تبادل للهجمات».
ولهذا، جاءت استجابة إيران سريعة، بحسب الخبراء، عبر استهداف سفينة حاويات ترفع علم سنغافورة استخدمت المسار الجديد يوم الخميس. ولم تعلن طهران مسؤوليتها عن هذا الهجوم، ولا عن هجوم ثان على سفينة يوم السبت، إلا أن الهجومين أعقبتهما ضربات عسكرية أميركية ورد إيراني باستهداف مواقع عسكرية أميركية في الخليج.
وفي مؤتمر صحفي عقده في بغداد، قال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إن «أي محاولة لاعتماد ترتيبات جديدة أو منفصلة عن تلك التي تعتمدها إيران لن تؤدي إلا إلى مزيد من التعقيدات، وتأخير إعادة فتح مضيق هرمز، وزيادة التوتر».
خلاف المادة الخامسة من التفاهم الموقت
في سياق متصل، يرى قادة إيران أن المسارات الجديدة التي جرى وضعها عبر المياه العمانية تتعارض مع المادة الخامسة من مذكرة التفاهم التي وقعتها واشنطن مع طهران، والتي أرست الأساس لاتفاق وقف إطلاق النار، بحسب «نيويورك تايمز».
وبحسب التفسير الإيراني، فإن هذه المادة تمنح طهران دور الإشراف على المضيق، إذ تكلفها بضمان المرور الآمن عبره، كما تنص على أن تجري إيران حوارا مع سلطنة عمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز.
ويقول محللون إن إيران تعتبر أن المسار الذي نظمته سلطنة عمان بالتعاون مع المنظمة البحرية الدولية، ومن دون التشاور مع طهران، يمثل انتهاكا لهذه التفاهمات، ولذلك رأت ضرورة الاعتراض عليه.
وقالت المحللة المتخصصة في الشأن الإيراني في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إيلي جيرانمايه، إن استعداد إيران لإثارة التوتر خلال عملية السلام ينسجم مع نهج القيادة الجديدة، التي تريد إظهار استعدادها للتوصل إلى اتفاق مع واشنطن بقدر استعدادها لخوض مواجهة معها.
الضغط لانتزاع تنازلات
وأضافت أن «المرشد الأعلى السابق علي خامنئي كان يتبع استراتيجية لا حرب ولا سلام، إذ تجنب المواجهة المباشرة مع واشنطن، وفي الوقت نفسه رفض إجراء مفاوضات مباشرة رفيعة المستوى».
وتابعت: «أما النخبة السياسية المحيطة بابنه وخليفته مجتبى خامنئي، فتتمتع باستعداد أكبر لتحمل المخاطر، وهي مستعدة للتصعيد، كما حدث في مضيق هرمز، حتى وإن كان ذلك يهدد مذكرة التفاهم، وفي الوقت نفسه مستعدة للدخول في مفاوضات مباشرة رفيعة المستوى مع الولايات المتحدة لتحقيق السلام».
فيما قالت «نيويورك تايمز» إن «لدى كل من إيران والولايات المتحدة دوافع قوية للاستمرار في التفاوض رغم الخروقات المتكررة لوقف إطلاق النار. فبالنسبة لإدارة ترامب، تعد الحرب غير شعبية داخليا، كما لا تبدو هناك رغبة في العودة إلى صراع تسبب في أزمة طاقة عالمية. أما بالنسبة لإيران، التي تواجه أوضاعا اقتصادية صعبة، فإن الإعفاءات من العقوبات النفطية وإمكان الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة تمثل حوافز مهمة».
في الوقت نفسه، يتوقع معظم المحللين السياسيين أن يواصل الطرفان تمديد فترة التفاوض الأولية البالغة 60 يوما لعدة أشهر، إلا أن تجدد أعمال العنف قد يؤدي إلى استمرار عملية السلام الهشة دون تحقيق تقدم يذكر.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات