تشهد إيران موجة جديدة من الاحتجاجات، التي اتسعت رقعتها خلال الأسابيع الأخيرة، مدفوعة بتدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية، وسط حالة غضب متراكمة من السياسات الاقتصادية والنظام السياسي على السواء.
هذه الاحتجاجات، التي اندلعت في عدد من المدن الكبرى، أعادت إلى الواجهة مشهدًا بات متكررًا في التاريخ الإيراني الحديث، لكنها هذه المرة تتزامن مع تصعيد غير مسبوق في حدة التهديدات الأميركية والإسرائيلية، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة حول مآلاتها، وهل يمكن أن تؤدي إلى سقوط النظام الإيراني.
ولم تخف الولايات المتحدة دعمها العلني للمحتجين، إذ صدرت تصريحات من ترامب ومسؤولين أميركيين تتحدث عن «مساندة الشعب الإيراني» وحقه في التغيير، مع تلويحات بإجراءات أشد في حال تصعيد القمع.
في المقابل، جاءت مواقف «إسرائيل» أكثر وضوحًا، حيث أعلن وزير الخارجية الصهيوني، جدعون ساعر، دعم ما وصفه بـ«نضال الشعب الإيراني من أجل الحرية»، في رسالة سياسية مباشرة تعكس الاهتمام بما يجري داخل إيران في ظل التوتر الإقليمي القائم.
في مواجهة ذلك، تبنّى النظام الإيراني خطابًا تصعيديًا، معتبرًا أن ما يحدث ليس احتجاجات مطلبية بقدر ما هب «أعمال شغب» تقف خلفها قوى خارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل. واتهمت طهران واشنطن بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي، واستغلال الأوضاع الاقتصادية لإشعال الشارع، بينما شددت القيادات الإيرانية على أن الدولة قادرة على السيطرة على الوضع، مستخدمة أدوات أمنية وإعلامية مكثفة، شملت اعتقالات وقيودًا على الاتصالات والإنترنت.
وعلى المستوى الداخلي، أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني أن الرئيس مسعود بزشكيان قال، في مقابلة أجريت معه وتبث في وقت لاحق، إنه سيتناول الخطط الاقتصادية و«مطالب الشعب» على خلفية تدهور سعر صرف العملة والقدرة الشرائية.
وأوضحت هيئة الإذاعة والتلفزيون في إيران أن «الرئيس، في حديث مع وسائل الإعلام الوطنية، عرض الخطة الاقتصادية الحكومية الكبيرة لإصلاح نظام الدعم، وتناول كذلك الأحداث الأخيرة، ونهج الحكومة في استجابة مطالب الشعب».
- الشرطة الإيرانية توقف عددًا من قيادات الاحتجاجات
- إيران تهدد باستهداف المراكز العسكرية والسفن الأميركية حال تعرضها لهجوم
- الرئيس الإيراني: يجب عدم السماح لـ«مثيري الشغب» بزعزعة استقرار المجتمع
بيان حوثي ورسائل ردع إقليمية
دخل على خط الصراع الحوثيون في اليمن، حيث أصدروا بيانًا أعلنوا فيه استعدادهم لمساندة إيران في حال تعرضت الجمهورية الإسلامية لأي عدوان.
وجاء البيان على لسان قيادة حركة «أنصار الله»، التي راكمت خلال السنوات الماضية قدرات عسكرية وسياسية جعلتها فاعلًا مؤثرًا في معادلات البحر الأحمر والخليج، ولم تعد قابلة للفصل عن توازنات الأمن الإقليمي.
ويحمل إعلان الاستعداد المسبق للمساندة رسالة واضحة مفادها أن أي «مواجهة محتملة مع إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها الجغرافية، بل قد تمتد إلى أكثر من ساحة إقليمية». وفي هذا السياق، لا يبدو البيان تهديدًا مباشرًا بقدر ما يرسم خطوط اشتباك، ويبعث رسالة ردع تهدف إلى رفع كلفة أي قرار عسكري ضد طهران.
وقال البيان: «هذا الموقف لا يمكن وصفه خدمة مجانية لإيران أو انعكاسًا لعلاقة تبعية تمثل تبسيطًا مخلًا، إذ يتحرك الحوثيون وفق حسابات مصلحة استراتيجية مباشرة، فإضعاف إيران يعني إضعاف شبكة الردع الإقليمية التي تمثل عمقًا سياسيًا وعسكريًا لهم في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها، وفي مقدمتهم السعودية. وعليه، فإن المساندة المعلنة لا تقتصر على بُعدها الأيديولوجي، بل تمثل استثمارًا في توازن القوى الذي يحمي موقع الحركة داخل اليمن وعلى مستوى المنطقة».
ويكتسب توقيت البيان دلالة خاصة، إذ يأتي في ظل تصاعد التهديدات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، وبعد أشهر أثبتت خلالها «أنصار الله» قدرتها على نقل الصراع إلى مساحات حساسة، من بينها الملاحة الدولية، وتبدو الرسالة موجهة إلى واشنطن تحديدًا، ومضمونها أن سياسة تحييد الساحات أو استهداف طرف واحد دون بقية الأطراف لم تعد واقعية، وأن أي مواجهة مع إيران قد تفتح تلقائيًا أكثر من جبهة، وفق البيان.
بين الدعم الخارجي وإضعاف الحراك
يثير هذا المشهد سؤالًا محوريًا: هل يمكن أن يؤدي التهديد الأميركي والدعم الغربي المعلن إلى تقوية التظاهرات أم أنه قد يتحول إلى عامل يسهم في إجهاضها؟
يرى البعض أن الضغط الدولي يمنح المحتجين دفعة معنوية، ويضع النظام الإيراني تحت رقابة خارجية، ما قد يحدّ من استخدام العنف المفرط، ويفتح نافذة لفرض إصلاحات سياسية أو اقتصادية. كما أن اتساع دائرة الدعم الغربي، بما فيها الاتحاد الأوروبي، يضاعف من عزلة طهران، ويزيد كلفة استمرار القمع.
لكن في المقابل يحمل هذا الدعم مخاطر واضحة على الحراك نفسه، فالنظام الإيراني لطالما استخدم خطاب «التدخل الخارجي» وسيلة لحشد أنصاره، خصوصًا داخل القاعدة المحافظة والدينية، وتصوير الاحتجاجات بوصفها مشروعًا مدعومًا من الخارج يهدد السيادة الوطنية.
هذا الخطاب قد يدفع شريحة من المجتمع إلى الالتفاف حول النظام، ويمنح الأجهزة الأمنية مبررًا أشدّ لتجريم المحتجين واتهامهم بالعمالة، ما قد يؤدي عمليًا إلى إضعاف التظاهرات، وتقليص قدرتها على الاستمرار.
خبير استراتيجي: الاحتجاجات لن تسقط النظام لهذه الأسباب
يرى الخبير الاتسرتيجي بمركز الأهرام عمرو الشوبكي أن ما تشهده إيران اليوم لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من الحراك المجتمعي، فالمجتمع الإيراني مجتمع حي، أسقط في عام 1979 نظام الشاه، وأسّس الجمهورية الإسلامية، ومنذ ذلك الحين لم تتوقف موجات الاحتجاج، من مظاهرات 2009 اعتراضًا على نتائج الانتخابات الرئاسية، إلى احتجاجات 2018 و2019 بسبب الغلاء، ثم احتجاجات 2022 عقب مقتل الشابة مهسا أميني، وصولًا إلى التظاهرات الحالية الرافضة الأوضاع المعيشية والنظام السياسي معًا.
وقال الشوبكي: «يُنظر إلى الاحتجاجات الراهنة على أنها مختلفة نسبيًا عن سابقاتها، ليس لأنها أقرب إلى إسقاط النظام، بل لأن حضور العامل الخارجي أصبح أكثر وضوحًا بعد المواجهات العسكرية الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولأن النظام نفسه بات أكثر هشاشة، وانكشفت عيوبه الداخلية بشكل أكبر».
وأضاف في تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك»: «لا يُرجّح أن تؤدي هذه الاحتجاجات إلى إسقاط النظام لأسباب عدة، أبرزها امتلاكه قاعدة شعبية محافظة ودينية لا تزال تؤمن به، بالإضافة إلى اعتماده نموذجًا من التعددية المقيدة يسمح بتداول محدود للنخب داخل إطار النظام، ويفرز كوادر سياسية وإدارية أكثر كفاءة مقارنة بتجارب عربية أخرى».
ويرى الخبير الاستراتيجي أن «أسلوب التعامل الأمني في إيران، على الرغم من قسوته، لا يصل إلى مستوى القتل المنظم واسع النطاق كما حدث في سورية، وهو ما يجعل سيناريو الانهيار السريع للنظام غير مطروح. ووفق هذا التقدير، فإن الاحتجاجات تمثل أداة ضغط مستمرة قد تدفع باتجاه إصلاحات تدريجية، لا تغيير جذري».
ولفت الشوبكي إلى أنه «بينما قد يشكل التهديد الأميركي عامل ضغط على طهران، فإنه في الوقت نفسه قد يمنحها الذريعة لإجهاض الحراك، لتبقى النتيجة النهائية معلقة بين إصلاح محدود أو استمرار الاحتقان، لا بين إسقاط النظام أو بقائه فقط».
تعليقات