تحدثت جريدة «فاينانشيال تايمز» البريطانية عن تشكل ملامح معركة موازية داخل دول الخليج، لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية، تتمثل في إعادة توجيه تدفقات الطاقة والتجارة بعيدا عن مضيق هرمز الحيوي، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات العالم من النفط والغاز، في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران حول السيطرة على الممر الحيوي.
وأشارت الجريدة، في افتتاحيتها المنشورة أمس الثلاثاء، إلى أن الإغلاق غير المسبوق لمضيق هرمز أدى إلى تحركات عاجلة داخل العواصم الخليجية والمؤسسات الاقتصادية، بهدف تعظيم الصادرات عبر مسارات بديلة وتطوير بنية تحتية جديدة تشمل موانئ وخطوط أنابيب وروابط برية، في محاولة لتقليل الاعتماد على إحدى أخطر نقاط الاختناق البحرية في العالم.
البحث عن بدائل
وفي هذا السياق، سارعت كل من السعودية والإمارات إلى تحويل جزء كبير من أكثر من 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام، التي كانت تمر عبر المضيق، من خلال تشغيل خطوط الأنابيب الحالية بأقصى طاقتها.
- أسعار النفط تنخفض بعد حديث ترامب عن إمكانية التوصل لاتفاق سلام مع إيران
- «رويترز»: هكذا تأثرت دول آسيا بأزمة الطاقة الناتجة عن حرب إيران
كما رفعت السعودية طاقة خط الأنابيب الممتد من الشرق إلى الغرب نحو البحر الأحمر إلى نحو سبعة ملايين برميل يوميا، مقارنة بنحو مليوني برميل قبل اندلاع الأزمة، مع خطط لتوسيعه أو إنشاء مسارات إضافية لزيادة القدرة التصديرية.
وتسارعت الجهود لتوسيع خط أنابيب أبوظبي إلى الفجيرة، الواقعة خارج مضيق هرمز، في حين أعلن العراق عن مشاريع لمد خطوط أنابيب نحو البحر الأحمر وتركيا، في إطار استراتيجية إقليمية أوسع لإيجاد منافذ بديلة لصادرات الطاقة.
خيارات محدودة
وعلى صعيد الغاز الطبيعي المسال، الذي يشكل نحو خمس الإمدادات العالمية ويأتي معظمه من قطر، تبدو الخيارات أكثر محدودية، إلا أن دول المنطقة بدأت في استكشاف حلول بديلة، من بينها إحياء مشاريع خطوط أنابيب تمتد إلى تركيا ومصر عبر دول الجوار، في محاولة لتقليل الاعتماد على المضيق.
كما يجري تحويل شحنات من السلع الأخرى، التي تعتمد عادة على الموانئ المتخصصة، إلى النقل البري والسككي باتجاه موانئ سلطنة عمان والبحر الأحمر. وتعمل دول الخليج كذلك على تحصين قطاعاتها غير النفطية من خلال توسيع طاقات الموانئ البعيدة عن المضيق، وتسريع مشاريع الربط السككي، والنظر في إنشاء خطوط أنابيب مخصصة للمواد الكيميائية.
البدائل «لا توفر أمانًا كاملاً»
وعلى الرغم من أن استكمال هذه المشاريع قد يرفع القدرة على تجاوز مضيق هرمز من نحو 40% إلى قرابة ثلثي التدفقات السابقة، فإن الخبراء يؤكدون أن أيا من هذه البدائل لا يوفر أمانًا كاملاً.
فقد تعرضت بعض البنية التحتية النفطية لهجمات بطائرات مسيرة، فيما يشكل مضيق باب المندب في البحر الأحمر نقطة اختناق إضافية عرضة للمخاطر الأمنية.
وفي سياق متصل، أثارت محاولات فرض رسوم عبور على الملاحة في المضيق مخاوف من سابقة قد تعيد تشكيل قواعد الملاحة الدولية، خاصة مع امتداد هذه الأفكار إلى ممرات بحرية أخرى مثل مضيق ملقا، ما يعكس تصاعد استخدام الممرات التجارية كأدوات ضغط جيوسياسي.
كما حذر خبراء من أن إغلاق مضيق هرمز قد يشكل نموذجا يمكن أن يحتذى به في مناطق أخرى، مثل مضيق تايوان، وهو ما يضيف بُعدا عالميا للأزمة، ويزيد من أهمية تنويع سلاسل الإمداد، لا سيما في القطاعات الحساسة مثل أشباه الموصلات.
وفي ظل تزايد الاضطرابات الدولية، تبرز أزمة مضيق هرمز كجرس إنذار يعكس هشاشة النظام التجاري العالمي واعتماده الكبير على ممرات ضيقة. وبينما لا يمكن الاستغناء الكامل عن هذه الممرات، فإن الاستثمار في بدائلها لم يعد خيارا مكلفا، بل تحول إلى ضرورة استراتيجية تمليها اعتبارات الأمن الاقتصادي والجيوسياسي.
تعليقات