يوصف الفنان التشكيلي البريطاني (جون كونستابل) بأنه رومانسي، في حين أنه يعد رساماً واقعياً، لأنه يرسم مناظر طبيعية ريفية عادية من حياة الناس اليومية؛ والحقيقة أن رسم جمال الطبيعة على نحو رومانسي في فكرته فالحياة المدنية بمشاكلها وصعوبتها هي حياة واقعية، ولكن هذا الفنان لا يرسمها، وإنما يرسم جمالاً يتمناه ويتطلع إليه. فمثلاً الذي يرى في ضجيج المدينة واقع حال، وأن يتخيل، أو يزين بيته بمنظر طبيعي هو في الواقع تفكير رومانسي، خيالي يتطلع إليه ويود أن يعيشه بعيداً عن صخب المدينة، وضجيجها، وقماماتها، على سبيل المثال، وهو واقع حال المدن.
الفنان الرومانسي (كونستابل) مأخوذ بالطبيعة
يأخذه خياله بعيداً إلى هدوء وجمال طبيعة الريف الخضراء وأزهارها المتنوعة، وهذا ما فعله الفنان (كونستابل)، وبسبب ذلك نُعت بالرومانسية! لأن رسمه لطبيعة الحياة الريفية هو، على نحو ما، هروب من الملل ومن الازدحام في حياة المدينة، والتركيز على رومانسية حياة الريف وطبيعته، وبساطة الحياة اليومية، هو شكل من أشكال الرومانسية، وما يصور (كونستابل) في لوحاته هو ما ينقص سكان المدن، وما يتطلعون إليه لقضاء أوقات بهيجة فيه، كما أن لوحاته تركز على الإيجابيات المعيشية في الريف، ومتجاهلةً سلبيات تلك المعيشة.
(كونستابل) تمرد على توظيف خياله
ويقول (تشارلز ليزلي)، وهو كاتب سيرة الفنان (كونستابل)، إنه تمرد بهدوء على استخدام الفنانين لخيالهم في رسم لوحات طبيعية، فهو، مثلما قال له: «عندما أتهيأ لرسم منظر من الطبيعة أحاول بإصرار أن أنسى أي صورة طبيعية رأيتها من قبل، يظل تركيزي على ما أراه حين رسمي للمنظر الذي أشاهده«. والواقع أن الواقعية في القرن التاسع عشر كانت أكثر بكثير من إبراز النشاط اليومي للفلاحين أو العمال، أو المناظر الطبيعية التي توضح مكاناً معيناً، ومجتمعاً معيناً؛ فهي تصوير المناظر الطبيعية بعيداً عما فعلوا لها: الواقعية كانت واقعها من قبل التدخل الإنساني، بل حقيقتها الواقعية. ففي القرن التاسع عشر كانت ضربات فرشاة الرسم بلا نظام متصنع، انطباعية بحق وحقيقة، بعلامات فرشاة الفنان الغليظة، اللامعة جداً، والتي ينفذها الرسام الواقعي بوضوح.
علامات فرشاته تكاد أن شفافة
ولكن الفنان (كونستابل)، كما هو مشهود له في تنفيذ لوحاته، رومانسيته واضحة للغاية. كان بحق رومانسياً جداً في رسمه، وعلامات فرشاته تكاد أن تكون شفافة، حد أنه تُرى بتركيز، ومع ذلك تكون واضحة للغاية، وهذا بالتحديد واحد من الأسباب التي جعلته بارزاً جداً، حتى إنه أثر على الرومانسيين الفرنسيين، كل ذلك بسبب دقة توظيف الشفافية بالفرشاة، فظلت واحدة من أهم الطرق الرئيسية التي اختلفوا بها عن الكلاسيكيين الجدد والفنانين الأكاديميين. وتميز أيضاً باستخدام ما تسمى، من بعده، بنظرية الظل والنور، بانت بوضوح في واحدة من لوحاته، التي ظهرت فيها السماء وغيومها، فضلاً عن ملامح الأشجار، وأيضاً إبراز التفاصيل الطبيعية، كحركة المياه والسماء.
إحدى لوحاته بيعت بمبلغ 25 مليون دولار!
لقد اكتسبت لوحاته شهرة واسعة، حتى أن إحدى لوحاته بيعت بمبلغ 25 مليون دولار! وتوفي في لندن يوم 31/3/1837 عن عمر ناهز 61 عاماً، ودُفن فيها. يُذكر أن أعماله لا تزال تحظى بتقدير كبير، وما زالت، بين حين وآخر، تُكتشف بعض من لوحاته المنسية.
تعليقات