عندما هدد الرئيس دونالد ترامب بمحو حضارة إيران في خضم الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، زادت قناعة الباحث الفرنسي فرنسوا ديسيه بأهمية ما أنجزه، حين فك رموز «الكتابة العيلامية» التي تعود لأكثر من أربعة آلاف عام.
كرّس ديسيه (43 عاماً) جزءاً كبيراً من حياته لدراسة الحضارات التي تعاقبت على إيران؛ حيث أقام هناك بين عامي 2014 و2020. وفي ظل التهديدات التي طالت العديد من المواقع التراثية، يؤكد ديسيه سعادته بالمساهمة في إبراز جزء من التراث الإيراني الغني، قائلاً لوكالة «فرانس برس»: «آمل في أن تترك هذه الأعمال أثراً إيجابياً على الثقافة والهوية الإيرانيتين، عندما يعود الزمن ليصبح ألطف وأهدأ».
لغز عيلام القديم
بقي فك شفرة «العيلامية» مستعصياً لفترة طويلة، وهي كتابة اندثرت راهناً، وتعود إلى حضارة عيلام التي قامت في الألفية الرابعة قبل الميلاد واستمرت حتى الألفية الأولى قبل الميلاد. ويؤكد ديسيه، الذي يعمل حالياً في قسم أبحاث علوم العصور القديمة بجامعة لييج البلجيكية، أن العيلامية هي نظام الكتابة الوحيد «المحلي فعلاً» من بين ما عرفته إيران في تاريخها.
- غرافيتي إيران يوثق الحرب الأخيرة ويجسد الصراع على النفوذ البحري
- اليونسكو قلقة من تداعيات الحرب على مئات المواقع التراثية في الشرق الأوسط
- الأشنات تقضم ببطء آثار «برسبوليس» التاريخية الإيرانية
ويوضح عالم الآثار: «هذه طبقة جديدة، غنى جديد يُكشف للشعب الإيراني.. الأمر أشبه بفك شفرة الهيروغليفية للمصريين»، لافتاً إلى أن «كل الأنظمة الأخرى، من المسمارية إلى الأبجدية العربية أو اليونانية، وردت من غرب إيران». أما الفارسية، اللغة الرسمية الحالية، فجذورها هندوأوروبية، وهي «أقرب إلى الفرنسية منها إلى اللغة العيلامية».
رحلة البحث عن «المفتاح»
بدأت رحلة ديسيه في عام 2006 حين شارك في تنقيبات بجنوب الجمهورية الإسلامية كشفت عن ألواح عيلامية. تتألف هذه الكتابة من 77 رمزاً على شكل معينات وانحناءات هندسية، واكتشفتها بعثة فرنسية عام 1903 في موقع سوسة الأثري.
وعلى مدى عقود، فشلت محاولات فك الرموز لقلة النقوش المعروفة، لكن ديسيه وجد ضالته في مجموعة «عائلة محبوبيان» بلندن، والتي تضم أواني أثرية نادرة. يقول ديسيه: «تمكنت في 2015 بفضل هذه الأواني من الوصول إلى عشرة نصوص جديدة، وكان مفتاح فك الرموز موجوداً فيها». ويوضح أن المفتاح الأساسي لأي نظام كتابي غامض هو «الأسماء العلم: الأماكن، الآلهة، والملوك».
شفرة الملك «شيلهَهَ»
ما قاد ديسيه إلى فك الشفرة كان اسم الملك «شيلهَهَ» الذي حكم عام 1950 قبل الميلاد؛ ففي تسلسل من أربعة رموز، لاحظ الباحث أن العلامتين الأخيرتين متطابقتان، تماماً كما هو الحال في اسم «شيلهَهَ». وبسبب هذا الإنجاز، لُقب بـ «شامبيليون الأزمنة الحديثة»، نسبة إلى العالم الفرنسي جان فرنسوا شامبيليون الذي فك رموز الهيروغليفية.
يمتلك ديسيه حالياً 45 نقشاً بالكتابة العيلامية، أي ضعف العدد المعروف قبل عشرين عاماً. وأتاحت له خبرته الرجوع أكثر في الزمن لدراسة الألواح «ما قبل العيلامية»، المحفوظة في متحف «اللوفر» بباريس، ليواصل كشف أسرار واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية.
تعليقات