على مدى يومي السبت والأحد، احتضنت دار الفقيه حسن، معرضا فنيا، لمناسبة اليوم العالمي للمرأة، بمشاركة نخبة من الفنانين التشكيليين في مجال الرسم والنحت والفوتوغراف.
المعرض أقيم بتنظيم فريق «طرابلسنا»، بالتعاون مع شبكة أصوات للإعلام، ومنظمة تضامن لمناصرة قضايا المرأة والمركز الثقافي الفرنسي، واستضافة جهاز إدارة المدينة القديمة.
أعمال المعرض تنوعت بين البعد التوثيقي والجانب المفاهيمي وكذلك اللوحات التعبيرية عن واقع المرأة الليبية والعربية عموما. وتقدم الأعمال عموما جانبا من صراع المرأة مع المجتمع، كما أنها لا تقدم الصراع عبر شخصيتها كضحية فقط أو متمردة لمجرد التمرد بل كشريك وفاعل أساسي له حقوق وواجبات.
الرسم في مواجهة العنف النفسي
في جولتنا داخل أروقة المعرض توقفنا عند أعمال الفنانة مريم الصيد حيث نلحظ في لوحاتها (صراع، وحدة) لغة الاشتباك النفسي مع الواقع ومناكفاته الموجعة، كيف تبدو لغة الجسد منحازة لجدل داخلي بين الخروج والبقاء. بين الحركة في اتجاه النور أو الاستكانة لظلال الثبات. لذلك نرى في لوحة (صراع) وجها محاطا بسياج من العلائق والإجابات المرتبكة المعلقة عند جدوى المحاولات وسط فيض ثري من الإحالات الماضوية الممثلة في رتوش لجدران وأعمدة بناء قديم لا ترى بوضوح لكنها موجودة كخلفية داعمة لبناء سردية الحجب المتوارث.
تتماهي مع لوحة «الصراع» في الرمزية لوحة (وحدة) كمعادل موضوعي يفسر جانبا آخر من الصراع المجسد في ملامح وجه محاصر، تقذف به الحيرة في دائرة صراع مع حقل ثقافي يرى في الأنثى كائنا متلبسا بالنقص. وشواهد ذلك تراتبيته في أبجديات الحضور الإنساني، فهي متروكة لمزاج الآخر وهامشه الذي يمنح ويمنع وفق لفرضيات النص الذكوري وسلطته العتيدة.
إلى الفنانة ملاك الكوت، التي ارتأت ترجمة الرقابة المجتمعية وأثرها النفسي على الأنثى وقدرتها على تصور حقيقة الأشياء من حولها، فالستائر المشار إليها في اللوحة هي مرموز أدوات المنع أو الحجب الثقافي المتشكلة كما جرت الإشارة في لوحات مريم الصيد عبر قرون من الضغط الحياتي المتواصل. فالعادات والتقاليد والتأويل المستمر النصوص المقدسة والمرويات التراثية يعزز في الخيال المجتمعي نوعا محددا من السلوك تجاه المرأة في كامل مراحل نموها البيولوجي. فالفتاة في اللوحة تنظر للستائر للبحث عن وجه آخر للحياة ولا تجدها فهي واقعة تحت قوالب التصورات الجاهزة.
- للاطلاع على العدد «543» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
في المقابل تقدم الكوت مقاربة تنويرية لذات الفتاة وهي تعبر ستار النافذة متجاوزة التردد لتكتشف حقيقة عالمها الأول، فالحياة بعيدا عن وقع ستائر المنع لها طعمها ولونها ووجهها الخاص والمختلف والبعيد عن كل ما يجري تقديمه من جرعات مرحلة.
مقاربات فوتوغرافية لوجه العالم المتغير
لا تكف مخيلة الفنان عن استنطاق كل مكنونات الحياة بكل تفاصيلها، عن سياق تداخلات عديدة تفضي إلى تساؤلات عن معنى الأثر الإنساني وكيف يمكننا العيش داخل بوتقة الصراع البشري بأقل قدر ممكن من الخسائر لا بالتأمل أو الارتهان للاتكال بل بالعمل أيضا وتحويله إلى صيغة حركية للجمال، هنا يعمل الفن على تفتيت كتل القتامة التي تعترض بصيرتنا الداخلية بل ومحاولة تحليلها وفق رؤى وأفكار وبيانات وإخراجها في شكل طاقة من الحضور الايجابي، وهو ما نجد صدى له في معرض (خيوط الحكاية)، ففي لوحاته يطالعنا الفنان الفوتوغرافي عبدالمجيد الفرجاني في عمله (خلف ماكينة الخياطة) بالجانب الأنثوي المقاوم، مزيج من تفاصيل الجسد وبريق روح تحاول البقاء متمسكة بآلة خياطة تمثل لها قارب الخلاص من الضعف والجوع والفقر، كما توحي دلالات ألوان الأوشحة فيها إلى مسحة من تفاصيل الجمال والرقة التي اضطرت لخوض معارك البقاء في وقت غابت فيه الخيارات.
في نص لوني يكمل فلسفة نص الفرجاني يقارب الفنان محمد معتوق عوالم التوثيق من زاوية جمالية عبر التراث، ففي لوحته الفوتوغرافية (بداية الحكاية) نتعرف على جمالية المرأة وهي ترتدي الزي التقليدي، كمظهر يمزح بين القديم والجديد، كما يوحي لنا من جانب آخر أن الماضي في ركن منه يمثل للمرأة مصدر احتفاء لا إقصاء فالفتاة هنا تقدم بإطلالتها عبر الحلي والأساور والرداء نموذجا لسيرة الجدات والأمهات اللاتي كن يمارسن طقوس الفرح ويعبرن من خلال اللباس عن فيض من فيوض الماضي العتيق.
تكمل الفنانة الفوتوغرافية حنين الرتيمي نصوص الفرجاني ومعتوق بلوحتها «نسيجها رمز لحقها في الكرامة والاعتراف»، فهي تأخذ من عاملة (النول) في الصورة خيطا من نسيج الكرامة التي تحاول الأنثى تعريفها وبشكل عملي في كونها الاكتفاء والاعتزاز بالذات عبر العمل، حيث يتحول التعامل مع (النول) من مجرد قضاء زمني إلى وسيلة للاستقلالية تثبت فيه المرأة قدرتها على تحمل أعباء المسؤولية بعد أن وجدت نفسها في مواجهة سلطات المجتمع بكل تشابكاتها وتعقيداتها.
أما على صعيد التعريف بالحقوق المفقودة فتعكس لوحة الفنانة الفوتوغرافية هبة شلابي في لوحتها «الحكاية المفقودة» وجها من وجوه الاحتجاج الصامت على شريحة مهمشة ومهشمة وهي الطفولة، فهي إضافة لفقدانها الشعور بالطمأنينة المجتمعية، لا تتمكن أيضا من ممارسة أبسط أبجديات التعبير الإنساني وهو حق اللعب. فالدمية والفتاة في اللوحة وجهان لصورة واحدة وهي القمع.
ومن الفوتوغراف إلى النحت حيث قدمت الفنانة مريم الهنيد فيعمل نحتي ثلاثة أوضاع للمرأة، وهي تمثل جانبا من حالات لحواء أثناء ممارسة دورها كأم وعاملة وكحالة إنسانية تعايش القلق والوحدة، وفي كل تلك الحالات تضعنا الهنيد أمام سؤال المعايشة وفهم حقوق المرأة على المجتمع والعكس.
تعليقات