لم يكن الوشم في الثقافة الليبية التقليدية مجرد علامة جمالية أو طقس اجتماعي، بل حمل في بعض الفترات دلالات وظيفية مرتبطة بظروف قاسية عاشها المجتمع، خاصة خلال فترات الاحتلال والاضطرابات.
فإلى جانب استخدامه كرمز للهوية والانتماء داخل الثقافة الأمازيغية والمجتمعات البدوية، تكشف بعض الشهادات الشفوية عن بُعد آخر أقل تداولًا، يتعلق بالحماية من السبي والاستغلال.
في هذا السياق، تروي الفنانة الليبية سليمة العبيدي في فيديو مصور عن الذاكرة الشفوية أن الوشم، خاصة على الوجه، كان يُستخدم أحيانًا كوسيلة لحماية الفتيات من الوقوع في الأسر أو البيع في الأسواق خلال فترات الاحتلال. ووفقًا لهذه الرواية، كان بعض الجنود ينفرون من ملامح الوجه (المتوشّم)، معتبرينها غير مرغوبة، ما يجعل الفتاة أقل عرضة للاستهداف مقارنة بغيرها.
-الوشم الهندوسي على وجوه النساء.. تقليد يتراجع في باكستان
-الوشم التقليدي لم يعد يغري أمازيغيات المغرب
تعكس هذه الشهادة جانبًا إنسانيًا عميقًا من توظيف الجسد كوسيلة مقاومة صامتة، حيث يتحول الوشم من زينة إلى «درع اجتماعي» في مواجهة خطر حقيقي. كما تبرز قدرة المجتمعات المحلية على ابتكار وسائل حماية غير تقليدية، حتى وإن بدت قاسية أو مؤلمة.
وعلى الرغم من أن هذه الروايات لا تُوثّق دائمًا في المصادر التاريخية الرسمية، إلا أنها تظل جزءًا مهمًا من الذاكرة الشعبية، التي تُكمل الصورة وتمنح فهمًا أوسع لطبيعة الحياة في تلك الفترات.
وبين المعنى الجمالي والرمزي، ثم الوظيفة الوقائية، يتضح أن الوشم في ليبيا لم يكن مجرد تقليد عابر، بل ممارسة متعددة الأبعاد، تعكس تفاعل الإنسان مع الخطر، ومحاولته الدائمة لحماية ذاته وهويته بوسيلة محفورة على وجهه.
تعليقات