يتنقَل المخرج الإيراني جعفر بناهي بين المدن الأميركية منذ أسابيع في جولة شملت بشكل خاص لوس أنجليس ونيويورك وسياتل، بهدف الترويج لفيلمه «مجرد حادث» (Un simple accident)، الحائز السعفة الذهبية في مهرجان كان، والذي اختير لتمثيل فرنسا في جوائز الأوسكار.
ويعرب المخرج (65 عاماً)، الذي كان محظوراً عليه لسنوات طويلة الخروج من إيران، عن سعادته باختيار شريطه الذي يتوقع كثر أن يفوز بجائزة الأوسكار في فئة أفضل فيلم روائي أجنبي، وفي هذا السياق، يقول: «لقد اختير فيلمي في نهاية المطاف»، وفقا لوكالة «فرانس برس».
كاد فيلمه الروائي، الذي صُوّر سراً، أن لا يكتمل، إذ أوقفت الشرطة التصوير في البداية، قبل أن يستكمله بناهي على عجل بعد بضعة أسابيع. تدور أحداث الفيلم حول سجّان من الجمهورية الإسلامية يقع بين أيدي سجنائه السابقين.
وقد أتاح العمل الذي تولته شركة فرنسية في باريس في مرحلة ما بعد التصوير تأهيله للترشح لجائزة الأوسكار باسم فرنسا.
لكنّ المخرج المُعارِض، ورغم ترشيح فيلمه، يتمنى أن تتغير قواعد أكاديمية الأوسكار، بما يتيح للفنانين الإيرانيين الخاضعين للرقابة في طهران تمثيل وطنهم. ويقول لوكالة فرانس برس في لوس أنجليس: «كنت أودّ لو أنافس على جائزة الأوسكار لبلدي. لكن عندما يكون مجتمع ما مضطهداً، تنشأ بعض الصعوبات».
- جعفر بناهي لـ«فرانس برس»: «لم أطِع الرقباء يومًا ولن أبدأ الآن»
- محبو المخرج جعفر بناهي الفائز بسعفة مهرجان كان يستقبلونه في طهران
- المخرج الإيراني جعفر بناهي يحصد السعفة الذهبية في مهرجان كان 2025 (فيديو)
هذه المشكلة ليست جديدة؛ فبينما تختار مهرجانات كان والبندقية وبرلين الأفلام من مختلف أنحاء العالم بناءً على أهليتها الفنية، تُلزم جوائز الأوسكار سلطات كل دولة بترشيح فيلم باسم البلد لجائزة أفضل فيلم روائي دولي.
سينما «إنسانيات»
واجه هذا النظام انتقاداتٍ متزايدة في السنوات الأخيرة، لا سيما في ظل تصاعد الاستبداد. وفي رأي بناهي، الذي سُجن مرتين ومُنع من السفر خارج إيران لنحو 15 عاماً، ولا يزال يُواصل عمله السينمائي على الرغم من الحظر الذي فُرض عليه منذ العام 2010 ولمدة 20 سنة، فإن هذا النظام «يُضعف استقلالية المخرجين ويُقوّضها».
ويشدّد بناهي على أن «السينما الإيرانية سينما إنسانيات، ولطالما لاقت استحسان الجمهور في مختلف أنحاء العالم». ويُذكّر هنا بجائزتَي الأوسكار اللتين مُنحتا لفيلمَي أصغر فرهادي «انفصال» العام 2011 و«البائع» العام 2016، والنجاح العالمي الذي حققه عباس كياروستامي بحصوله على السعفة الذهبية العام 1997 عن فيلم «طعم الكرز».
وإذا كان فرهادي وكياروستامي تمكنا من الالتفاف على ضغوط النظام في طهران، فهذا لم يعد سهلاً بعد قمع الانتفاضة الشعبية التي اندلعت العام 2022 إثر وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها في سبتمبر 2022 لدى شرطة الأخلاق على خلفية عدم التزامها بقواعد اللباس.
معضلة جماعية
وفي العام الفائت مثلاً، غادر المخرج محمد رسولوف إيران هرباً من حكم بالسجن ثماني سنوات بعد تصويره فيلمه «دانه انجیر مقدس» (أي «بذرة التين المقدس») الذي رشحته ألمانيا لجوائز الأوسكار. وهو نفسه الذي كان مع بناهي عندما أُلقي القبض عليه العام 2010 في منزله، حيث كان الفنانان يعملان على فيلم.
ومنذ ذلك الحين، طوّر المخرج أساليبه في التصوير سراً. ويدور جزء كبير من حبكة فيلم «مجرّد حادث» في شاحنة صغيرة، تُستخدم أيضاً كمخبأ. أما المشاهد الخارجية، فقد صُوّرت في مناطق صحراوية أو أحياء أقل ازدحاماً.
يتناول الفيلم، المستوحى من فترة سجن بناهي، نقاشات محتدمة بين إيرانيين عاديين كانوا في السجن نفسه، في شأن ما يريدون أن يفعلوه بسجانهم السابق الذي اختطفه ميكانيكي سيارات. ويحارون بين قتله انتقاماً للإهانات التي عانوا منها، وبين رفضهم الانحدار إلى مستوى سجّانهم.
ومن خلال هذا السجّان، يرسم المخرج صورة لإيران، إذ ربما تتحول هذه المعضلة الأخلاقية يوماً إلى معضلة جماعية، في حال تداعي النظام الحاكم. ويؤكد بناهي أن الفيلم «لا يتناول الحاضر فحسب، بل المستقبل أيضاً».
تعليقات