Atwasat

«بين الكوني والنيهوم والقذافي».. كيف تبدو صورة ليبيا في «منافي كتابها»؟

طرابلس - بوابة الوسط الجمعة 21 نوفمبر 2025, 08:51 صباحا

تحت عنوان «صورة ليبيا في منافي كتابها»، قدم الكاتب والروائي منصور بوشناف، الثلاثاء، محاضرة في كلية الآداب جامعة طرابلس، وأدار المحاضرة الحوارية الدكتور أحمد الرشاش، وتناولت مفهوم النفي وأنواعه من خلال أعمال كتاب ليبيين شخَّصت هذه المسألة سرديا ورؤية كل كاتب بالخصوص.

BCD Ad BCD Ad

بوشناف أوضح أن أهم القصائد في تراثنا الليبي تعبر عن دوام الترحال وعدم التمسك بجغرافيا معينة أي المنفى الدائم، منها قصيدة الشاعر عبدالمطلب الجماعي (أرحم بوي خلاني هواوي، كيف النجم في قلب السما)، بمعنى لا ارتباط بمكان معين وإنما هواوي حر انتقل إلى أي فضاء أريد.

وأضاف أن فكرة الرحيل من منفى إلى منفى تشكل ركنا أساسيا في الثقافة الشعبية الليبية، وكذا في الثقافة الرسمية، فالاستقرار في الثقافة الشعبية الليبية كان لا يعد ميزة كما في الثقافات الأخرى، فالسعي والرحيل في مناكب الأرض والبحث عن الكلأ، كان صورة من صور الصراع من أجل البقاء، لذا فهو سعي محمود ومبجل في ثقافتنا، وبذا فالاستقرار يمثل صفة سلبية وركونا للسكون والموت.

ثقافة المنفي اعتمدت على المشافهة
يواصل منصور بوشناف: ظلت ثقافة المنفى معتمدة على المشافهة وليس المكتوب، ويمكنني تسمية المشافهة بـ(مخلاة) الثقافة الليبية، وكذا فالمشافهة تجسد مخلاة الهوية الليبية التي ظلت محمولة تنتقل بها من منطقة لأخرى، كما أن تلك المخلاة الثقافية ظلت هي الوطن ممثلة في التراث والشعر واللهجة وعادات وتقاليد فهي تجسد الهوية الحقيقية لا الانتماء لجغرافيا محددة).

بوشناف يشير إلى الفكرة التي طرحها إيان كامبل عن «البدو الجدد» وهي أن الحضارة القادمة ستكون حضارة أشخاص يتبنون نمط حياة متنقل، وهو ما يُعرف بـ«صدمة المستقبل» الذي وضعه ألفين توفلر في كتاب يحمل نفس العبارة. أي أناس ينتقلون من قارة إلى أخرى، يتغذون في هونج كونج، ويتعشون في نيو يورك بحثا عن الربح والأموال. فهو يقدم أي الكتاب بحسب وصف المحاضر بدو جددا ينتقلون من جغرافيا لأخرى بحثا عن مقاصدهم كما كان أجدادنا في الماضي.

 للاطلاع على العدد «522» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

ينتقل بوشناف في محطته الثانية عن المنفى بالحديث عن الاغتراب وهو ذلك الشعور بتقطع الجذور والانفصال عن الأرض أو عن المجتمع أو عن الثقافة، وهو حالة فردية غالبا تصيب شريحة (المثقفين والفنانين والثوريين والسياسيين) وهنا يلتقي مع الرحالة الذي يحمل جذوره وينتقل من مكان إلى آخر.

يقول: الاغتراب هو منفى حقيقي وإن ظل يعيش وسط أهله وفي أرض وطنه، وبذا يصبح الوطن منفى والمنفى وطنا كما يقول خليفة الفاخري في كتابه «موسم الحكايات» الذي يسرد فيه قصة مواطن من الجنوب زمن الاحتلال الإيطالي يذهب إلى بنغازي بحثا عن الحياة ويتحصل على عمل في مخبز، كما أسهم مع مجموعة من المقاومين داخل المدينة في دعم المجاهدين.

وتابع: نرى بالتالي أن هذا المواطن انتقل من أرضه إلى منفى هي بنغازي ولكن يتحول هذا المنفى إلى مدينة وأهل، وكان من السلطات الإيطالية أن عاقبت كل من شارك في دعم المجاهدين بنفيهم إلى أم الأرانب، وبالتالي سيصبح هنا المنفى وطن، والوطن منفى.

وتواصلا مع تداعيات الفكرة ينتقي أبو شناف من الفضاء الأدبي الليبي صرخات رضوان أبوشويشة في مجموعته «موجة حب إلى غرناطة» القائلة: «ترفق بحالك وارحل يا رضوان» وكانت هذه الجملة، لازمة في قصص المجموعة، فالبلد لم تعد قابلة للعيش فيها وعلينا أن نبحث عن منفى، وفي تلك المجموعة يوضح أبوشناف أن رضوان لم يتوقف عن الإشارة إلى خراب المدينة وتحولها إلى منفى، وبالتالي يتمثل حلم رضوان في البحث عن الفردوس المفقود متجسدًا في الرحيل إلى غرناطة، وتتقاطع هذه الرؤية بحسب وصف المحاضر بصورة معكوسة مع رحلة حسن الوزان الذي جاء إلى الشمال الأفريقي بعد سقوط الأندلس بحثا عن ملاذ، حيث يجري أسره ويصبح أحد رجال الكنيسة الكبار.

أسفار الرحيل والترحال
ومن أبوشويشة إلى الكوني حيث يبحر بوشناف في عوالم الروائي إبراهيم الكوني كمحطة استشهاد أخرى عن المنفى قائلا: قد لا نجد أسفارا للرحيل والترحال في الثقافة الليبية كأسفار إبراهيم الكوني، التي ومنذ صفحتها الأولى ترحل بقارئها عبر منافي الصحراء بحثا عن نبع مفقود أو عن أطلنطا غارقة تحت الرمل أو عن «واو» ابتلعه الرمل منذ الجفاف العظيم، حتى يبدو هذا الترحال هو «حالة الاستقرار الوحيدة» التي يعيشها أبطال الكوني.

التبر أو «المهري» الأبلق في رواية التبر يمثل جوهر الترحال ومعناه، براق الروح نحو «واوات» وجنان العصر المطير التي غمرها طوفان الرمل، وظهر الجمل هو المستقر الوحيد لبطل الكوني والترحال هو السيرة الوحيدة في ليبيا منذ بدايات الجفاف العظيم الذي ضرب ليبيا منذ أربعة آلاف عام مضت والتي يصورها الشاعر الروماني «أوفيد» في «مسخ الكائنات».

وقال: «ناحت الحوريات نادبات، لأن ينابيع وأنهار ليبيا قد جفت» لتنطلق منذ تلك اللحظة تواريخ الترحال والمنافي والهجرات، بعد أن يصل الجمل إلى ليبيا من آسيا منذ أربعة آلاف عام ويهيمن فن الجمل على آخر مراحل الفن الصخري ويبدأ «نزيف الحجر» ويتحول وطن الوفرة والغابات إلى منفى طارد وطرق وعرة للعبور نحو موارد المياه.

يضيف بوشناف: المنفى الذي ظل أبطال الكوني يتوهون في صحاريه بحثا عن الواحة، ليتجدد الحنين إليه وللرحيل من الواحة من جديد والبحث في منافي الروح عن السماء، ففي خماسيته التي لم يكمل جزءها الخامس بعد «الواحة» يكتب الكوني والتبر ويواصل كتابات المنفى الصحراوي «الذي يأخذ معاني وجودية» واغترابا دائما ومؤلما، هربا من الاستقرار والواحة والمدينة نحو آفاق الصحراء وفضاءاتها المفتوحة، المنفى يبدو عند الكوني خيار الحرية خارج أسوار الاستقرار والمدينة وحتى الجسد، إثر سؤال قصته القصيرة المهمة «إلى أين أيها البدوي».

الطبال والمجتمع المكي
يمضي بوشناف متصلا مع سرد المنفى متوقفا عند رواية «من مكة إلى هنا» للصادق النيهوم مشخصا بصمات المنفى فيها موضحا أن الوطن «سوسة» منفى يسكنه منفيون من الكريت والأفارقة والعرب، ففي سوسة مهاجرون جاءوا هربا من الاضطهاد الديني وهربا بإسلامهم من «كريت» وصارت سوسة الليبية وطنهم وفيها أيضا زنوج جاءوا من أفريقيا.

ويرعى هذه التشكيلة الإنسانية الجامع والبحر، تتصارع فيها ثقافة الصيد والرعي وثقافة الرحيل والاستقرار، فيصارع مسعود الطبال راكبا قاربه لصيد السلاحف البحرية وبيعها للإيطالي صاحب الخمارة والفقيه الذي يحرم الخمر وصيد السلاحف، وتصارع زوجة الطبال زوجها ليتوقف عن شرب الخمر واصطياد السلاحف البحرية، ويصارع الفقيه الجميع، داعيا لمجتمع «مكي»، ذاك المجتمع الذي تحلم زوجة مسعود الطبال به والذي يحلم حتى مسعود الطبال بالرحيل إليه حين يركب قاربه لصيد السلاحف.

ويواصل بقوله: «النيهوم قال مرة الجمل سفينة الصحراء ثم أضاف والسفينة جمل الصحراء، ويقول الليبيون نيتك جملك، الذي ترحل به من منفى إلى منفى جديد».

 للاطلاع على العدد «522» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

في حكاية مراكب السلطان للصادق النيهوم يبدو الوطن «جالو»، مهددا بالزوال إثر طوفان الرمل الذي سيجتاحه ولذا كان لا بد من قطع الأشجار وصناعة السفن لتركبها «جالو» هربا من العطش والصحراء، بحثا عن المنفى. فجالو لن تدوم فهي مهددة في وجودها.

يكمل: «أعتقد أن النيهوم ظل يحذر دائما من أن الكيان الليبي مهدد بالزوال وتشرد أهله من جديد في منافي الصحراء.

ويخلص المحاضر إلى أن المنفى في أدب الكوني والنيهوم هو الوطن، والوطن الحقيقي هو الرحيل الدائم بحثا عن منفى».

ولاينسىى بوشناف الإشارة إلى أنه في سبعينيات القرن الماضي ظهرت قصة «الفرار إلى جهنم» لمعمر القذافي وهي ليست إلا مونولوجا لمغترب قلق ومنفى مقيدا بالمدينة والسلطة، لبدوي وقع في أسر المدينة، إن المدينة ليست منفاه بل سجنه الذي لا بد أن يرحل هربا منه بعد أن يهد أسواره ويحطم قيوده وأعرافه، ليرحل إلى منفاه الاختياري وإن كان وادي جهنم، لكأن قصة «الفرار إلى جهنم» كانت إجابة لسؤال قصة الكوني «إلى أين أيها البدوي».

أسئلة الوجود والحرية
في محطته الأخيرة يقدم المحاضر علاقة المثقف بمجتمعه الذي يبدو داخله منفيا كما يصف الكاتب يوسف القويري «إن المجتمعات المتخلفة تلقي بمثقفيها إلى المنفى النفسي» وتجري الإشارة هنا إلى رواية (في المنفى) للدكتور بودبوس التي تحكي سيرة مثقف شاب يعيش في بنغازي ستينيات القرن الماضي تواجهه وترهقه أسئلة الوجود والعدم، أسئلة الوجود والحرية والقدر والموت والبعث، ليعيش تجربة الاغتراب والمنفى بمعناه الوجودي داخل الوطن.

ويعيش البطل ويعاني عذابات وآلام المنفى في بنغازي، الرواية تتناص وتتشابك مع رواية «الغثيان» لجان بول سارتر، حيث لا أمل في الخلاص من مأزق الوجود للإنسان إلا بالاختيار الفردي، اختيار المغترب الفردي، اختيار الهروب من مأزق المنفى الذي ألقى به الإنسان منذ «آدم» حتى آخر نسل قابيل.

ومن أبودبوس إلى سردية صالح السنوسي في«حلق الريح» حيث يرى بوشناف أن الرحيل إلى منفى المدينة يبدو قدرا لا مهرب منه والاستقرار نهاية منافي الهلالي الأخير.

المنفى والرحيل نحوه، ظل وعبر تاريخ ليبي طويل «تيمة» الثقافة الليبية الأبرز، فمن الرحيل إلى المنافي إثر الجفاف إلى الرحيل هربا من الحروب والصراعات إلى المنفى الوجودي «الروحي» داخل الوطن، حتى أن «الرحيل» كان المفردة المستقرة الوحيدة في موروثنا.

محاضرة بعنوان «صورة ليبيا في منافي كتابها» في كلية الآداب جامعة طرابلس، 18 نوفمبر 2025. (الإنترنت)
محاضرة بعنوان «صورة ليبيا في منافي كتابها» في كلية الآداب جامعة طرابلس، 18 نوفمبر 2025. (الإنترنت)
محاضرة بعنوان «صورة ليبيا في منافي كتابها» في كلية الآداب جامعة طرابلس، 18 نوفمبر 2025. (الإنترنت)
محاضرة بعنوان «صورة ليبيا في منافي كتابها» في كلية الآداب جامعة طرابلس، 18 نوفمبر 2025. (الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
مهرجان الصيف الرابع في هون: «تراثنا هويتنا»
مهرجان الصيف الرابع في هون: «تراثنا هويتنا»
مروة مصباح المنصوري.. فنانة ليبية حولت المحنة إلى رحلة إبداع وتمكين للمواهب
مروة مصباح المنصوري.. فنانة ليبية حولت المحنة إلى رحلة إبداع ...
الفنان محمد بن إسماعيل ينضم إلى فرقة أجيال للمسرح والفنون بدرنة
الفنان محمد بن إسماعيل ينضم إلى فرقة أجيال للمسرح والفنون بدرنة
«يونسكو»: الحاجز المرجاني في أستراليا يفلت من قائمة التراث العالمي المهدَّد
«يونسكو»: الحاجز المرجاني في أستراليا يفلت من قائمة التراث ...
«ستارة» تعلن استقلالها عن «الهيئة العامة للمسرح والفنون».. وتواصل نشاطها عبر شركة خاصة
«ستارة» تعلن استقلالها عن «الهيئة العامة للمسرح والفنون».. وتواصل...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم