Atwasat

خالد درويش يطرح شهادات كتاب وأدباء من «وراء القضبان»

القاهرة - بوابة الوسط الجمعة 05 سبتمبر 2025, 07:52 صباحا

«إن السجان الذي لا يعرف القراءة والكتابة ولا يفك الحرف، هو من بيده مصير ثلة من علماء وأدباء ومفكري الوطن»، بهذه الكلمات استهل الكاتب والشاعر خالد درويش محاضرته التي احتضنتها قاعة المجاهد بالمركز الليبي للمحفوظات، تحت عنوان «لمحات من الحياة الفكرية والثقافية في السجون الليبية 1970-2000»، تناول فيها درويش جانبا من سيرة المثقف الليبي خلف القضبان، وكيف مارس الكتاب والشعراء نشاطهم داخل الجدران قراءة وكتابة.

BCD Ad BCD Ad

واستعان درويش بشهادات عديد الكتاب الذين دونوا يومياتهم في مؤلفات أصدروها بعد خروجهم من السجن منهم الكتاَّب (الدكتور محمد المفتي وعبدالفتاح البشتي وإبراهيم الزليتني وأحمد العطوري وصالح الدعيكي ومحمد المقلي) كذلك الذين اشتغلوا على السيرة السجنية كالكاتب أيمن العتوم في روايته (الطريق إلى جهنم).

- للاطلاع على العدد «511» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

المحاضر طرح في حديثه أسئلة تناقش عبثية سجن الرأي وتكميم الأفواه، وهي تعرض للحياة الثقافية داخل السجون الليبية التي تقاوم السكون وتحاول خلق أجواء مفعمة بالقصائد والأفكار والرؤى السياسية، فأغلب السجناء هم مثقفون وشعراء وكتاب ومفكرون، ومن الطبيعي أن يكون هناك أدب وشعر وقصيدة، عدا أن هذا الأدب تميز بتنوع نماذجه بحكم تعدد اتجاهات المسجونين سياسياً وفكرياً وانتماءاتهم المختلفة من اليمين واليسار والوسط، حيث نصافح على سبيل المثال أبيات الشاعر محمد فرحات الشلطامي، وتأملات الأستاذ عبدالمولى دغمان ، وآراء المفكر عمرو النامي، كما تطرقت المحاضرة إلى الوجه الإنساني في هذه الأدبيات وصراع الإنسان مع الجدار والسجان، في محاولة منه لتهريب قصاصة من جريدة أو قلم أو راديو صغير يحلق به خارج أسوار السجن.

صراع الانسان والجدران
ووفق ما ضمنه في الإشارات السابقة أكد خالد درويش أن التجربة الليبية كانت غنية بهذه الأدبيات، حيث صدرت داخل السجون الليبية دواوين، ومجلات، وكتب، وكانت حلقات تحفيظ القرآن الكريم، ومجالس العلم والفقه، وتعلم اللغات الأجنبية، وتداخل النقاشات والأفكار السياسية، وغيرها. كما كان للشعر الشعبي دوره الكبير في توثيق هذه التجارب الحياتية المختلفة، فأغلب السجناء من المنطقة الشرقية، وبذا كانت غنّاوة العلم حاضرة بقوة معبرة عن صراع الإنسان والجدران.

ولأن الحاجة أم الاختراع يشير المحاضر إلى أن السجناء اضطروا نتيجة هذه الظروف إلى اختراع صحفهم وجرائدهم، وأنتجوا مطابعهم الخاصة وأخبارهم وصحفييهم وكتابهم وفنانيهم ورساميهم داخل السجن بحكم أن السجن ضم بين جدرانه العديد من الصحفيين والكتاب وقبل كل شيء قراء يحتاجون هذه السلعة لكي يعيشوا في خضم تلك المناخات الخصبة والثرية بالحوارات الفكرية والسياسية والأدبية ووجود هذا التجمع.

وواصل المحاضر: كانت أوراق الصحف والمجلات تصنع من أغلفة السجائر الداخلية بعد أن يجري نزع غشاء الألمونيوم اللماع حتى يتسنى الكتابة عليها من الجهتين، وتحاط إجراءات الإصدار بسرية تامة وكان العدد يعدم مباشرة بعد أن يطلع عليه آخر قارئ، وذلك بالنظر إلى خطورة العقوبة المترتبة على الكتابة.

وذكر درويش أسماء بعض تلك المطبوعات مثل مجلة «نوافير» الشهرية بعدد 200 صفحة من ورق السجائر الأطلس الكبير الحجم نسبياً وأيضاً إصدار كتب منها ما ترجم عن الإنجليزية والفرنسية الإيطالية، وأيضا معارض تشكيلية تحويها المجلة، ولعل من أشهر المجلات الأدبية والفكرية التي صدرت داخل السجن في تلك الفترة مجلة (المتراس) التي صدرت لمدة ست سنوات متتالية في 19 عدداً من سنة 1983 إلى فبراير 1988 إضافة إلى إصدار مجلة «أبريل» التي ترأس تحريرها المرحوم عبدالعزيز الغرابلي.

التلفزيون كأداة إخضاع
الكاتب خالد درويش قدم جانبا من حكاية السجناء مع التلفزيون في صورة شهادات مأخوذة من كتابات كتاب عايشوا تلك الأيام تقول إحداها «بعد ثلاث سنوات في مارس 1983 أحضروا لنا جهاز تلفزيون واحدا، وكنا نجلس عليه في الممر ونتفرج على المحطة الوحيدة، والحقيقة لم نكن نتفرج بقدر ما كنا نضحك ونهرج على كل شيء مهما كان عاديا ولو (كحة) مذيع، أكيد تنفيسا عن التوتر والحصار الذي كنا نعانيه».

وتضيف شهادة أخرى حول تنكيل النظام السابق بالمعارضين له بعد إلحاق لقب (خائن وعميل) وبث اعترافاتهم على التلفزيون الذي استخدم كأداة إخضاع وترهيب: كان ذلك في منتصف شهر رمضان، وقد شاهدنا كل هذه الأحداث من تلفاز صغير لا يتعدى ثماني بوصات تجمعنا حوله هنا في الحصان الأسود، يومها تغافل الحرس عن التلفازات المهربة بأمر من المدير من أجل أن نشاهد بأعيننا نهاية كل خائن عميل كما كانوا يرددون.

الشعر في مواجهة القضبان
كما خصص المحاضر جانبا من حديثه عن حضور الشعر في السجون الليبية ودوره في توثيق جانب من سيرة الوجع فقد حملت المدونة السيروية الليبية مخزونا كبيرا من هذا الفن. ويرجع هذا الحضور إلى أن عددا كبيرا من السجناء هم من المنطقة الشرقية التي كانت سوقا رائجة له، فسجناء المناطق الشرقية كالجبل الأخضر ودرنة والمرج والبيضاء وبنغازي، وغيرها كانوا يتعاطون هذا الفن بشكل يومي إما رواية أو تأليفا حيث يبرز شعراء منهم المبروك الزول -رحمه- الله الذي عبرفي إحدى قصائده الجميلة عن سقوط النظام بقوله:
يا عون من جاه النبا با لنوضة..
نوضة الوطن اللي شبيه الروضة
يا عون من جاه النبا من غادي
ويصير في المنعول يوم منادي
نهار غيظ من يومه نهار طرادي
نين يوهق الطاغي ويبس عرقه

- للاطلاع على العدد «511» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

هنا يحلم الشاعر بالثورة (النوضة) على الطاغي من أبناء الوطن الذي شبهه بالروضة لجماله وعشقه إياه، هذا الطاغي الملعون الذي ستدور عليه الأيام ويقاسي هول ذلك اليوم حتى تتيبس عروقه ولا يستطيع مجابهة هذا التيار الجارف.
وفي قصيدة أخرى نشاهده حين أطل عليه عيد الأضحى عام 1983 وهو يقبع في القسم الأول محكوما عليه بالإعدام فيقول:
يا عيد لا نك عبد لا تسمى
لا شاة ذبحت لا عرب ملتمه

حيث يخاطب الشاعر يوم العيد نافيا تسميته بالعيد فلم تذبح فيه أضحية ولم يجتمع فيه الأهل والأحباب في سعادة وألفة معتادة، لأن يوم العيد في السجن يختلف عن أي يوم آخر سواه.

كذلك نجد الشاعر المرحوم حويل العوامي الشيخ المسن الذي ألقت به الأقدار في السجن إثر خصومة في قرية مسوس قرب سلوق حيث ضاق المكان بهذا البدوي القادم من فضاءات المراعي ومشاهدة السحب طوال الوقت قائلا:
الحاجر اللي خطوة نص.
وأخرى نقص
علينا من كل تيقه كبس.
وقد رد عليه الشاعر المبروك الزول بقصيدة على المنوال نفسه والروي والقافية جاء فيها:
الحاجر اللي فيه رينا قهاير
في وقت جاير
وغابو علي يا حويل الدباير
انخمم م الضيم والعقل حاير

كما استشهد المحاضر برائعة الشلطامي التي اختطها بالعامية على منوال قصيدة «بوحويش» والتي يقول في مطلعها:
مابي مرض غير عقلي شكا به
وطن النقابة
من يومن طغو فيه ما حق صابه

كذلك نجد الشاعر معتوق الرقعي الذي خاطب السجان ذا القلب الميت بعد أن أغلق عليه الباب الحديدي الضخم بكل ما أوتي من قوة محدثا صوتا مجلجلا قائلا:
حتى لو قفلت الله ما يقفلها
كريم يخلق الشدات ويحولها.

جانب من مستمعي المحاضرة بالمركز الليبي للمحفوظات. (أرشيفية: الإنترنت)
جانب من مستمعي المحاضرة بالمركز الليبي للمحفوظات. (أرشيفية: الإنترنت)
كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
معرض «آرت بازل» بسويسرا يتبنى الفن الرقمي بشكل موسع في دورته الحالية
معرض «آرت بازل» بسويسرا يتبنى الفن الرقمي بشكل موسع في دورته ...
«بالبهجة متسربلة».. أحدث روايات محمد المغبوب عن دار «الكون»
«بالبهجة متسربلة».. أحدث روايات محمد المغبوب عن دار «الكون»
استوديوهات أمازون تتخلى عن فيلم حول سام ألتمان وإيلون ماسك
استوديوهات أمازون تتخلى عن فيلم حول سام ألتمان وإيلون ماسك
الوضع السياسي الاقتصادي لموريتانيا الطنجية في كتاب جديد عن المركز الليبي للمحفوظات
الوضع السياسي الاقتصادي لموريتانيا الطنجية في كتاب جديد عن المركز...
رحيل الأب الروحي لمسلسل «فريندز» المخرج جيمس بوروز عن 85 عاماً
رحيل الأب الروحي لمسلسل «فريندز» المخرج جيمس بوروز عن 85 عاماً
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم