من بين أزقة المدينة القديمة في طرابلس، يفتح الفنان التشكيلي مراد مسعود عثمان، المعروف بـ«مراد الجماعي»، باب مرسمه ليُطل منه على ذاكرة ليبيا، حاملاً فرشاته وألوانه التي تحولت إلى سيرة ذاتية مرسومة على القماش.
مراد، ابن قرية تمسان في وادي الشاطئ، يقول إنه كان رسامًا قبل أن يتعلم الكتابة، فملامح الطفولة التي خطّها على الورق كانت البذرة الأولى لمسار فني اختاره منذ نعومة أظفاره، بدعم من عائلته وأقاربه. وعلى الرغم من دراسته الأكاديمية التي توجها عام 2023 بتخرجه في كلية الموارد الطبيعية – تخصص هندسة التعدين، فإن خياره الحقيقي ظل الفن، حيث بدأ رحلته الفعلية في عام 2010.
-حكيم الطليس.. «فنان الفحم» الذي يحوّل وجوه الليبيين إلى مرايا للحكاية
-معرض «من ليبيا إلى العالم» يفتتح أبوابه في مهرجان «صيف بنغازي 2025»
وإلى جانب الرسم، يمتلك مراد شغفًا آخر بالموسيقى، فهو يعزف على الغيتار، ويهوى الغناء والتعليق الصوتي، لكن اللوحة تبقى بالنسبة له المساحة الأوسع للتعبير عن الذات والذاكرة.
لوحات من الذاكرة الليبية
يستوحي مراد أعماله من الهوية الليبية والتراث الشعبي، جامعًا بين الرمزية والتعبيرية والواقعية، وغالبًا ما يضيف مبالغات لونية تكسر التقاليد. ويعترف بأن أكثر فنان ألهمه هو الإيطالي «كارافاجيو»، خصوصًا في أسلوبه الدرامي باستخدام الضوء والظل.
لوحاته تعكس موضوعات إنسانية متجددة: المرأة والحب والشتاء وفلسطين والقضايا الإنسانية، بالإضافة إلى تفاصيل الذاكرة الليبية التي يسعى لتوثيقها بريشته.
جوائز وتكريمات
لم يتأخر الاعتراف بموهبة مراد، حيث نال جائزة «ليبيا للإبداع والتميز» عام 2019، ثم جائزة «أفضل فنان عربي شاب في لندن» عام 2021. كما شارك في معارض محلية محدودة وأخرى دولية عبر المنصات الإلكترونية، وكرمته جهات ثقافية عدة. وإلى جانب ذلك، رسم جداريات في مناطق مختلفة بليبيا، وأشرف على ورش عمل ودورات تدريبية في الفن التشكيلي.
مرسم المدينة القديمة
في قلب طرابلس، افتتح مراد أخيرًا مرسمه الخاص، الذي لا يقتصر على كونه فضاءً للإبداع، بل تحول إلى مكان للقاء الفنانين، وعرض بعض أعمالهم، ويطمح لإقامة معرض شخصي قريبًا، يضع فيه تجربته كاملة أمام الجمهور.
التحديات ورسالة الفنان
على الرغم من النجاحات، يعترف مراد بأن الطريق لم يكن سهلاً: «نعاني قلة الإمكانات والدعم، خصوصًا للفنانين الذين يملكون جاليريهات خاصة. نحتاج إلى متاحف ومعارض دائمة، لأن الفن ليس مجرد ترف، بل ثروة وطنية وإرث للأجيال القادمة».
واختتم مراد حواره قائلاً: «رسالتي أن اللوحة ليست مجرد ألوان على قماش، بل شهادة على زمن وهوية، وصوت يحمل الجمال والإنسانية من ليبيا إلى العالم».
تعليقات