ضمن النشاط الثقافي خلال شهر رمضان، شهد حوش محمود بي بالمدينة القديمة في الثالث عشر من رمضان ندوة حوارية بعنوان «رموز ليبيا الثقافية صنّاع النهضة الفكرية بين قرنين». الجلسة أدارها الباحث مصطفى حقيَّة، بمشاركة الباحثين عبدالمطلب أبوسالم وبدر الدين الورفلي.
ركزت الندوة على عدد من الشخصيات الليبية البارزة التي أسهمت في النهضة الفكرية والثقافية بين أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
نهضة ثقافية مجتمعية
من جهته، أشار الباحث عبدالمطلب أبوسالم إلى أهمية هذه الفترة التي شهدت ظهور شخصيات فكرية كان لها بصمة وأثر بارز في النهضة الثقافية والمجتمعية، ولفت إلى أنه مع بداية العهد العثماني الثاني (1835) ظهرت حركات إصلاحية عملت على تأسيس لنهضة مجتمعية مثل بناء المدارس وإنشاء الجرائد وغيرهما.
- للاطلاع على العدد المزدوج «488 ـ 489» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وقال «هناك شخصية كان لها أثر بارز وهو أحمد ساسي بن شتوان، الذي وُلد العام 1820 في مصراتة. وفي العام 1824 عيِّن والده ساسي بن شتوان كناظم للمالية في بنغازي، وتلقى تعليمه المبكر في الزوايا والكتاتيب تماشياً مع ماكان سائداً في ذلك الزمن، وما يميز شخصيته بحسب وصف أبوسالم نهله للعلم داخل ليبيا وليس الأزهر باعتباره الوجهة المعروفة للدراسة، وكان على صلة بالحركة السنوسية التي أسسها محمد بن مهدي السنوسي 1858».
أضاف أبوسالم «ذهب بن شتوان إلى طرابلس ليصبح أول رئيس تحرير لجريدة طرابلس الغرب التي كان أول صدور لها بتاريخ 20 سبتمبر سنة 1866، إلا أن فترة رئاسته للجريدة كانت قصيرة حيث غادر إلى اسطنبول، وهناك مارس بعض الوظائف واستقر في الغالب على مهنة معلم بجامع السلطان محمد الفاتح وظل حتى وفاته 1882».
وتابع «أطلق على شخصية بن شتوان رائد الأدب الليبي الحديث لما له من نشاطات مبكرة في منتصف القرن التاسع عشر على الصعيد الفكري والثقافي وصلاته بشخصيات بارزة في الشام ومصر وغيرهما، فعلى سبيل المثال ربطته علاقة مع أحمد شيداق. أحد رواد الثقافة في لبنان».
سفر ومعرفة وشخوص
وأوضح أنه تزامنت مع بن شتوان شخصيات أخرى كأحمد نائب الأنصاري وغيره، كما توجد مجالس علمية منها مجلس الشيخ كامل بن مصطفى أو ما عرف بالمجالس الكاملية.
وانتقل أبوسالم إلى محطة أخرى ليسلط الضوء على شخصية لم تغادر ليبيا وهو (أحمد الفقيه حسن)، مشيرا إلى نشأته في أسرة أدبية فكرية، فوالده حسن الفقيه حسن صاحب اليوميات الذي كتب في يومياته أنه تزوج من ابنة محمد بيت المال، إذ كانت آخر زيجاته في الرابع من يونيو (1838) أي بعد سقوط الدولة القرمانلية بثلاث سنوات حيث تزوج ابنة الوزير أول يوسف باشا محمد بين المال وهذا الزواج أنجب أحمد الشخصية الفكرية والأدبية، المولود 1843 والتحق بدراسة العلوم المبكرة في الكتاتيب، ومستقبلا كانت له عديد السفريات في الخارج وعلاقات وطيدة مع بعض الشخصيات، حيث زار إيطاليا أكثر من مرة، وكذا زيارته الشهيرة لفرنسا 1880، أي قبيل عام من الانتداب الفرنسي لتونس والانتداب البريطاني لمصر، وللأسف أن لديه كتاب مفقود يحكي عن سفرياته في إيطاليا وفرنسا.
صلات أحمد الفقيه حسن كما يشير أبوسالم كانت مع من عاصره في مصر والشام كرفاعة الطهطاوي وأحمد شيداق، إضافة إلى شخصيات ثقافية من تونس. ومارس العمل في ديوان الكتبة حتى ترقى وأصبح باش كاتب.
رجوعاً إلى علاقاته الأدبية مع شخصيات فكرية، يشير أبوسالم إلى علاقة أحمد الفقيه الوطيدة بشارل فيرو صاحب الحلويات باعتبار أن شارل فيرو كان قنصلا في طرابلس 1882.
ويرى أبوسالم في سرده لتاريخ شخصيتي بن شتوان والفقيه أن ذروة النضوج الفكري كان في العقد الأول من القرن العشرين، لأن هذا العقل سنة 1908 شهد صدور عدد كبيرمن الجرائد التي سرد تاريخها الكاتب الكبير علي مصطفى المصراتي في كتابه (صحافة ليبيا في نصف قرن) عدا وجود تقريبا خمس عائلات تصدر جرائد، يدلل على نضوج فكري كما انتشار أعداد كبيرة من الجرائد يعكس رغبة المجتمع في القراءة.
وأرجع أبوسالم سبب هذا الحراك إلى وجود عدة دوافع سواء الإصلاحات التي حدثت وإطلاق الحريات إثر إعلان المشروطية ما ساعد على خروج شخصيات كثيرة حتى خارج القطر.
الميلادي ومسيرة كفاح
من جانبه توقف الباحث مصطفى حقية عند شخصية عبدالله جمال الدين الميلادي المولود في المدينة القديمة العام 1881ثم اتجه إلى الكتاب وحفظ بعض من القرآن الكريم وأرسله والده إلى المدرسة الراشدية وعمره عشر سنوات ودرس بها ثلاث سنوات ثم درس بالرشدية العسكرية وبعد تخرجه كلف بالعمل الإداري، وكان من ضمن موظفي الجمارك في ميناء طرابلس ثم أرسلوه إلى غدامس وكان مسؤولاً عن الإحصاء وشغل مديراً للبريد ليعود إلى طرابلس قبل الغزو الإيطالي.
وقال حقية «من ضمن المشائخ الذين علموه الشيخ كامل بن مصطفى وهو صاحب (الفتاوى الطرابلسية) التي كان يديرها عثمان القيزاني، وكانت السلطات الإيطالية قد صادرتها، فقام الأستاذ عثمان القيزاني بكتابتها بيده بمعدل سبع نسخ في اليوم ويرسلها إلى المناطق ليتداولوا قراءتها.
- للاطلاع على العدد المزدوج «488 ـ 489» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وواصل «كان الميلادي أحد مؤسسي مكتب العرفان، ثم كتب في مجلة الإصلاح ويكتب الشعر إضافة إلى المقالة وله اهتمام بالموسيقى، وعمل على تقوية حسه الموسيقي بالاشتغال على القدود الحلبية بحيث تكتب الكلمات وتغنى بنفس اللحن. ولكن نتيجة الغزو الإيطالي، اتجه إلى تحفيز الشباب والتلاميذ وإذكاء روح المقاومة ضد الاستعمار.
واختتم بقوله «ونتيجة لهذا النشاط طاردته السلطات الإيطالية وصادرت كتاباته وضيقت عليه الخناق فاضطر للسفر إلى تونس ويرجع ليسافر إلى تركيا».
بين السياسة والصحافة والأدب
وتطرق الباحث بدر الدين الورفلي في حديثه إلى شخصية مهمة أيضا وهو محمود ناجي الأرناؤوطي المولود بمدينة الخمس 1873، وعمل لاحقا في جريدة الترقي.
أضاف الورفلي أن الأرناؤوطي مارس العمل السياسي بانتخابه نائبا عن لواء الخمس في مجلس المبعوثان سنة 1908، وناهض بشدة من خلال منصبه النفوذ الإيطالي على الصعيدين الاقتصادي مطالبا السلطات التركية باتخاذ موقف حيال ذلك.
وعلى الصعيد الفكري يشير الورفلي إلى بصمة الأرناؤوطي بالاشتراك مع شقيقه محمود نوري من خلال كتاب (تاريخ طرابلس الغرب)، لافتاً الانتباه إلى تصديه لمسألة مهمة وهي القضايا الحدودية التي يثيرها التدخل الأجنبي.
تعليقات