Atwasat

الحكاية الشعبية: أسئلة الهوية والأدب المهمش

طرابلس - بوابة الوسط الجمعة 20 سبتمبر 2024, 07:31 صباحا

تقف الحكاية الشعبية فوق منجم ضخم من الأساطير والقصص، والمواقف والأحداث المصاغة في قالب خيالي يترجمها الراوي بحسب طبيعة البيئة والمكان والدافع النفسي، ويدخل في بنية تكوينها العامل المجتمعي والتراثي والثقافي.

BCD Ad BCD Ad

وإن كان الأدب الشعبي حاضراً في ذاكرة الناس عبر الشعر والخرافة وطقوس العادات والتقاليد إلا أنه ظل على المستوى الليبي أسير التصنيف الطبقي أكاديمياً، ومهمشاً في ذائقة النخبة، ومع ذلك نطالع بين حين وآخر دراسات تتناول جانباً من نفائس هذا المنجم وتشكلاته الاجتماعية والتاريخية، منها كتاب (الحكاية الشعبية في ليبيا: من الشفاهية إلى الكتابية) للدكتور الناقد حسن الأشلم الصادر عن دار تالة، وأجرت «الوسط» حواراً في الفترة الماضية مع الدكتور الأشلم حول أهمية الأدب الشعبي أثناء صدور الكتاب، وفي هذا العدد نقدم عرضاً لأهم فصوله والموضوعات التي تناولها.

منظومة الآداب الشفاهية
يشير الأشلم في مقدمة الكتاب إلى أن قضية الحفاظ على الهوية أضحت من المعضلات التي تواجه الجماعات البشرية، إذ تحولت إلى نقطة خلاف جوهرية وحساسة داخل فضاء العولمة بحساباته المعقدة أيديولوجياً واقتصادياً، ولعل أهم جوانب الهوية الثقافية عرضة للخطر ذلك المتعلق بمنظومة الآداب الشفاهية ممثلة في الأشعار والحكايات والأمثال والأغاني، فقد فرضت العولمة شروطاً جديدة لإنتاج النص وتداوله عبر رأس المال وقنوات التسويق عبر الصور المتحركة التي نقلت النص الشفاهي إلى المتلقي ما يعني تراجع تداولية النص شفاهيا.

ويرى المؤلف أن المعضلة السابقة تبرز بشكل أوضح في جنس الحكاية الشعبية التي أصبح الخطر محدقاً بها بشكل يحمل على الاعتقاد بإمكانية اندثار شفاهيتها من الذهنية الجمعية في كثير من المجتمعات ويصبح كل من التلفاز ودور العرض وشبكة الإنترنت بديلاً لفضاء الرواية الشفاهي للنص الحكائي الشعبي.

في هذا الكتاب تسير المقاربة النقدية على ثلاثة مستويات حيث يتطرق الأول إلى قضية الحفاظ على الطاقة الشفاهية للنص الحكائي، ويتناول الثاني دلالية البنية في الحكاية الشعبية وانفتاح هذه الدلالة على السياقين الاجتماعي والثقافي، فيما يركز المستوى الثالث على البعد الإنساني التفاعلي لخطاب النص الحكائي الشعبي الشفاهي.

- للاطلاع على العدد «461» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

في الفصل الأول من كتابه يلفت الأشلم إلى ظروف إنتاج خطاب النص السردي الشفاهي عموماً والحكاية الشعبية على وجه الخصوص المتمثلة في نفسية الراوي أثناء تقديم الخطاب الحكائي ونفسية المتلقي له، إضافة إلى ثقافة الراوي وثقافة المتلقي ثم فضاء الرواية في إطاريها الزماني والمكاني، كذلك يأتي عامل الجنس من حيث فضاء الرواية (ذكوري – أنثوي – أنثوي ذكوري). وما سبق بحسب رؤية الباحث يضعنا أمام خطاب نص تراثي حكائي ينبني في أساسه على الحركة والانفتاح والتجدد والتعدد.

وعلى العكس من ذلك تتموضع الكتابة في دائرة المعتاش على شفاهية النص، عندما تتأسس محاولة القبض على بنية الخطاب الشفاهي، ويحدث حين يزعم ممارسة الكتابة بأنه قد أحكم السيطرة على بنية الخطاب النصي، في حين أن الكتابة في جوهرها إيقاف لانفتاح الشفاهية وإيقاف لسيرها في لحظة سردية ما.

أصالة الأدب الشعبي
أما في الفصل الثاني فيتناول المؤلف دلالية البنية في الحكاية الشعبية، موضحاً أن أصالة الأدب الشعبي بأنماطه المختلفة من جهة انتمائه إلى السياق التاريخي والاجتماعي المنتج فيه، ليس بوصفه نتاجاً لذلك السياق بل دال عليه وناقد له أيضاً. ومن جهة أخرى فإن هذه الخصوصية السياقية لا تنفي عن هذا الأدب الشفاهي صفة الانفتاح على مختلف السياقات القادمة، إذ أن مسيرة السرد الشعبي تؤكد حقيقتين مهمتين وإن بدتا متناقضتين، الأولى أننا نعيش ضمن بنية زمنية كونية دائرية تؤكد أن اختلاف السياقات لا ينفي انتماءها إلى بنية اجتماعية واحدة تتواءم فيها مختلف المراحل التاريخية وتتفاعل، وما يدعم هذا الاستنتاج هو سيادة أنماط الأدب الشعبي ذاتها وعراقتها التي تضرب في أعماق التاريخ.

وينتقل المؤلف إلى الحقيقة الثانية والتي تتمظهر في تكريس التنوع داخل المنظومة السردية الشاملة، وذلك بقدرة الذهنية الجمعية الشعبية على تطوير الخطاب داخل هذه البنية السردية الشاسعة لتستوعب كافة المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية الحاصلة في بنية الواقع الموضوعي.

- للاطلاع على العدد «461» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

ولكي يمهد الدخول لها نقدياً وضع الدكتور حسن تقسيمين للمدونة السردية الشعبية، الأولى متمثلة فيما عف بالسيرة الشعبية المتجسدة في البنية السردية العربية. مثل سيرة الزير سالم وعنترة وبني هلال وسيف بن ذي يزن والأميرة ذات الهمة، وبالنسبة للآخر بالقص الحكائي الشعبي، وللتمييز بينهما يوضح الأشلم أن السيرة الشعبية إن صنفت فإنها تنفرد على النمط الآخر من جهة اتخاذها طابعاً ملحمياً، تظهر فيه وبقوة صورة البطل الأسطوري الخارق، إضافة إلى اصطباغها بالنزعة القومية التي تجعلها مهيأة لكي تأخذ بعضاً من ملامح الروايتين التاريخية والسياسية في بعدهما الشمولي.

ويناقش الكتاب في فصله الثالث إشكالية العلاقة بين الأدبين العربي والغربي على المستويين الأيديولوجي والإنساني إذ أن صراع البحث عن هوية في بعديه الديني والعسكري لم يلبث أن امتد إلى الأدب لينضم إلى دائرة الصراع بين الأنا والآخر ليصبح خاضعاً لقيم الأدلجة أيضا.

ويعتبر الدكتور حسن الأشلم أن التلاحم بين الأدبين العربي والغربي الرسميين كان أقل الميادين فعالية ونشاطاً لأسباب افتراضية عديدة يتعلق أهمها بالخلاف العقدي أو لخصوصية أشكال التعبير في الفضاءين، الأمر الذي قلص من مساحة التفاعل مجسدة في جوانب عديدة لعل أهمها انعدام ترجمة المسرح والملحمة إلى الأدب العربي حتى القرن التاسع عشر وانعدام التجربة الملحمية في الأدب العربي.

غلاف كتاب (الحكاية الشعبية في ليبيا: من الشفاهية إلى الكتابية).
غلاف كتاب (الحكاية الشعبية في ليبيا: من الشفاهية إلى الكتابية).

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
آلاف الألمان يكتشفون الماضي النازي السري لأجدادهم على الإنترنت
آلاف الألمان يكتشفون الماضي النازي السري لأجدادهم على الإنترنت
مادونا تقدّم عرضا فنيا مفاجئا لـ15 دقيقة في نيويورك
مادونا تقدّم عرضا فنيا مفاجئا لـ15 دقيقة في نيويورك
تراجع عدد مشاهدي يوروفيجن عقب مقاطعة دول للمسابقة بسبب مشاركة إسرائيل
تراجع عدد مشاهدي يوروفيجن عقب مقاطعة دول للمسابقة بسبب مشاركة ...
مواطن يسلم رأس تمثال رخامي وعملات أثرية عثر عليها في مقبرة قديمة ببنغازي
مواطن يسلم رأس تمثال رخامي وعملات أثرية عثر عليها في مقبرة قديمة ...
معرض للفنان الأميركي آندي وارهول في «سوبرماركت» قديم بقرية فرنسية
معرض للفنان الأميركي آندي وارهول في «سوبرماركت» قديم بقرية فرنسية
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم