لم يكن السرد الأدبي في دواوينه الأولى منظورا إليه في خانة التصنيف الجنسي «الرجل والمرأة»، وعبوري من هذا الممر لقناعتي بأن الأدب مزيج تجارب ورؤى وأفكار تتجه في سقوفها العليا لمحاكاة الواقع الإنساني وتتوخى الانزواء عند هذه الضفة أو تلك.
غير أن التماهي مع بعض الخطابات النقدية في التصنيف، لا يعني الانسلاخ عن القناعات بقدر ما يتقصى تحديث مسار اللمعان والخفوت لشكل سردي لا زال حبيس اسم «الأدب النسائي» ومعاينة أنساقه الثقافية المعبرة عنه في اللغة والهوية.
عربيا، أنجز هذا السرد روائيا أبجدياته التي تروم لاستنطاق عوالمه القارة في القاع وتصويرها وفق رؤيته بدل السير بمحاذاتها، متجاوزة القالب النمطي في تقديمها، إلى مساحات مفتوحة لقضايا تتشابك فيها وجهة نظرها مع أسئلة المجتمع وتحولاته باعتبارها مكونا أصيلا في نسيجه وكرمز أيقوني لفضاء فكري له قواعده وخطابه المعبر عنه.
وبالإمكان القول أيضا إن مرحلة التأسيس لنص يناقش عالمها عبر التجريب قد تم تجاوزه إلى أفق آخر من النضج السردي، يبحث في احترافية مفازات واقعها، متجاوزا حدود الجغرافيا إلى إبراقات تنحت في كنه السفر الوجودي للإنسان، إذ تحولت من تابع إلى شريك.
وفي ليبيا لا زال النص الروائي للمرأة يتحسس مادته الغفل بعد أن حاول في إرهاصاته الأولى بداية سبعينيات القرن الماضي اكتشاف «شيء من الدفئ» رواية للكاتبة مرضية النعاس، ثم يأتي بعد ثلاثة عقود لفهم ما إذا كان «للجوع وجوه أخرى» للكاتبة وفاء البوعيسى، ليواصل التماس مسارب عالمه البادي في التشكل، وهو يحاول نفض غبار الصور السالفة للآخر نحوه، ببغية التحرر من ربقة المناخ السجني وإزاحة النظرة المجتمعية المرحلة في اللغة إلى سياق ثقافي ينهض على أنسنة الذات بدل تشيئها، في أعمال «قصيل» و«علاقة حرجة» و«زرايب العبيد».. إلخ، لكن من المبكر القول بتكون كيان أو هوية تمثل السرد الروائي النسائي بليبيا، فهو مرتبط بالتراكم وجدل الأسئلة المطروحة داخل لغته التي يجهد في صناعتها.
ومع ذلك فالرواية النسائية الحديثة هنا تندفع مشغوفة بخوض مسالكها دون قصد التعريف بنفسها بغية الفصل عن الآخر، ولكن لكسب حضور يناقش مآلاتها، ويفاصل في تجاذبات هويتها وكسر التابوهات التي تشدها دوما إلى مرجعية محددة، ففي أعمال الكاتبات عائشة الأصفر، ونجوى بن شتوان، وعائشة إبراهيم، وفاطمة الحاجي، وفريدة المصري، تقف الروح الأنثوية في مواجهة أسئلة المرايا دون الحاجة للاختباء خلف قناع أو الهمس بلغة لا تشبهها، وهوية ضائعة في دوامة العواكس.
حكايا متعددة
في روايتها «علاقة حرجة» يبني النص تمظهراته السردية على معادلة مفارقات الحلول الروحي والعقلي بين الجنسين «الذكر والأنثى»، غير أن الإيقاع السردي ينتصر لذاكرة الأنثى عبر كشف لوجهها المزق وهي تحاول استعادة شكلها أو صورتها الضائعة، هنا أقول إن ذلك أحد أبعاد الرواية لا مرتكزها الرئيس.
هوية الأنثى تصبح جزءا من لعبة الحلول أو الخلاص من الآلام، تلبست جبر الذي أراد الفرار من جحيم ذاكرته ليقع في وحل الصراع بين كيانه وكيان الدكتورة سميرة موسى عالمة الذرة المصرية، التي فارقت الحياة 1952 ثم ترجع عائدة في جسده، وتتحول الرواية إلى متوالية من الذواكر المتبادلة بين الماضي والحاضر، تحفر في واقع ما بعد 2011، بصيغة مغايرة للنمطية السائدة في التعريف «سرد نسائي»، هي حكايا متعددة لأرواح مزقتها الحرب، رغم أننا سنجد تأصيلا أنثويا للذاكرة يبدأ من منابت الطفولة عند حكايا الجدة وخراريفها، ثم أسطورة المرأة الطيرة التي تقتل الأولاد، انتقالا إلى حيوات أخرى عبر غزالة المصدومة في زوجها جبر المتحول، وكذا أخته لمياء التي تخاطب حبيبها فضل خلف اسم مستعار باحثة هي الأخرى عن وجودها الحقيقي كما تقول في مكان آخر، ولن يجد الأخير بدا من إعادة السؤال إلى جبر في صيغته الأم وهو يخاطب فيه الدكتورة سميرة: هل تستطيعين تحقيق شيء من خلاله وهل يستطيع جبر أن يكمل طموحك؟ وفي المجمل تنهض الأفكار على كسر سلم التراتبية الفاصل بين الجنسين فكلاهما ماثل في الآخر، وكلاهما ذات تنشد النسيان.
تراجيديا سردية
ونجد ملاحقة لجزء من هذا الطرح الفلسفي للمكنون الأنثوي، في رواية «حرب الغزالة» للكاتبة عائشة إبراهيم كنموذج عبر تراجيديا سردية في زمن ما قبل التاريخ، تحكي قصة الفتى ميكارت وغزالته العجيبة «سافي» وثلاث نساء شكلن خطوط دوران حولها.
تجسد سافي الصورة الميتافيزيقية النقية للأنثى، ونقطة مرجعية لتصنيف للمواجهة بين الجسد والروح المتبلور في مقابلة بين المرأة والرجل، ولم تكن أجواء الحرب وفضاءات الطبيعة والتاريخ إلا نسيجا لاحما لهذه الاحتدامات.
كرنفال أنثوي يؤثث منذ البداية لطقسه الخاص، إذ ربما ينشغل ميكارت في حفلة القصر الملكي برؤية فتيات تنيري الفاتنات لكن الغزالة لها قبلتها االخاصة في كفه، إذ تبدو العلاقة كما لوكانت طبعة التوأمة لروحيهما بعيدا عن القفص الغرائزي الفيزيائي للجسد، تلك الروح التي غدت هواجس الملكة، فبدت وكأنها مخمورة بالملمح الجاذب لسافي، وشعرت بالرغبة للذهاب إلى نسختها المختبئة داخل الهيكل الحيواني لاستردادها ولو بالوصف قائلة «تتمايل بخفة نسمة ودلال أنثى».
الفتاة هيريديس التي تدخل عالم المملكة، تظهر شكلا آخر للعلاقة مع الآخر تتبنى صياغة متعقلة للعواطف، للحد من فورة الاستحواذ الأنثوي في الرواية مع الاحتفاظ بخصوصيتها، فهي ليست معنية بوساوس تندروس ولا تندفع بهوس صوب ميكارت، وكما تستوعب خصوصيته مع الغزالة، فهي متفكرة في مصيرها المتأرجح بين خيار البقاء في المملكة أو اقتفاء خطوات جدها، كذلك لم تقف أمام سحر قصيدة ميكارت عن القمر والتي يقول فيها «خريف جديد/ ليلة أخرى/ والحسناء ما زالت تنتظر القمر».
وإذا كان صراع المرأة مع ذاتها مركبا في تزاحم أسئلته وأصواته، داخل جسدي تندروس وهيريديس، فإن صراع ايجا زوجة كاشيون مع ميكارت كان في ذروته يستنطق منابت الخيارات الفاصلة في العلاقة بين المرأة والرجل، كانت روح ايجا معلقة بميكارت وكانت روح الأخير معلقة بالغزالة ومع ذلك قررت إنقاذ روح «ميكارت» بدم الغزالة بعد أن خايرت بين روح الأخيرة وميكارت، الفضاء السردي يضعنا في ذروة فوران رومانتيكي بين أربعة أرواح، ثلاثة في جسد بشري والرابعة كامن في «سافي».
عائشة إبراهيم أرادت القبض على خيوط خطابها الخاص بضخ أكبر قدر من الدفق الأنثوي الضاج بالتفاعل، ربما تفلتت هذه الشحنة في إيقاعاتها عبر مدارج الرواية لكنها تحتفي بتأسيس سردي يؤثث لعالمها، يسحبها فضول الكتابة للتماهي مع أحاديث «خريجات جامعة قاريونس» لعائشة الأصفر، أو الاستجابة لـ«صراخ الطابق السفلي» لفاطمة الحاجي أو إعادة تموضع للخطاب النصي في «زرايب العبيد» لنجوى بن شتوان، أو استدارة نحو «أسطورة البحر» لفريدة المصري، كل هذه الفسيفساء النصية موعودة بمعترك مستقبلي مع اللغة وتنظر لاسترداد بواقي أسئلتها المبعثرة.
تعليقات