في ذكرى مرور عام على إطاحة حكم عائلة الأسد، تعهد الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم الإثنين، بحقبة جديدة قوامها العدل والعيش المشترك، مؤكدًا الالتزام بمحاسبة كل من ارتكب الجرائم بحق السوريين الذين خرج عشرات الآلاف منهم إلى شوارع المدن الرئيسية للاحتفال.
وفي الثامن من ديسمبر، وصلت فصائل المعارضة وفي مقدمتها «هيئة تحرير الشام» التي كان يقودها الشرع إلى دمشق، بعد هجوم مباغت انطلق من معقلها آنذاك في شمال غرب البلاد، ونجحت خلال أيام في الإطاحة بالأسد الذي حكمت عائلته البلاد لأكثر من 5 عقود.
وفر الأسد من سورية إلى روسيا عندما سيطرت المعارضة على دمشق، وأطاحت به بعد حرب دامت لأكثر من 13 عاما اندلعت عقب انتفاضة ضد حكمه، الذي شهد تجاوزات عدة في حق شعبه.
في كلمة ألقاها في قصر المؤتمرات في دمشق، قال الشرع «اليوم ومع إشراق شمس الحرية، فإننا نعلن عن قطيعة تاريخية مع ذاك الموروث وهدمًا كاملًا لوهم الباطل ومفارقة دائمة لحقبة الاستبداد والطغيان إلى فجر جديد، فجر قوامه العدل والإحسان والمواطنة والعيش المشترك»، وفقا لوكالة «سانا».
وأكد «التزامنا بمبدأ العدالة الانتقالية لضمان محاسبة كل من انتهك القانون وارتكب الجرائم بحق الشعب السوري، مع الحفاظ على حقوق الضحايا وإحقاق العدالة وحق الشعب في المعرفة والمساءلة والمحاسبة»، مشددا على أن المصالحة هي «أساس استقرار الدولة وضمان لعدم تكرار الانتهاكات وحجر أساس لبناء الثقة بين المواطن والدولة».
بين كسر عزلة سورية الدولية والعدالة الانتقالية
بعدما تخلى عن ماضيه الجهادي، نجح الشرع خلال عام في كسر عزلة سورية الدولية ورفع عقوبات اقتصادية خانقة عنها وشطب اسمه من قوائم الإرهاب الأميركية وفي مجلس الأمن. ووقعت بلاده مذكرات وعقود استثمار بمليارات الدولارات من أجل ترميم البنى التحتية المتردية بسبب الحرب، وإتاحة عودة اللاجئين الذين لا يزال 4.5 مليون منهم في الدول المجاورة وفق الأمم المتحدة، وفقا لوكالة «فرانس برس».
لكنّ أعمال عنف تورطت فيها قوات الجيش والأمن الجديدة، وأودت بحياة أكثر من 1700 علوي في الساحل في مارس، وأكثر من ألفي شخص بينهم 789 مدنيًا درزيًا في محافظة السويداء في يوليو، عمّقت الانقسامات والمخاوف في المجتمع السوري، بعدما أنهكته سنوات الحرب الطويلة التي أوقعت أكثر من نصف مليون قتيل.
وبحسب الوكالة الفرنسية، تعد العدالة الانتقالية أحد أثقل ملفات مرحلة ما بعد الأسد، مع بقاء مصير عشرات آلاف المفقودين مجهولا. وتتصاعد انتقادات لإدارة الشرع بسبب التفلت الأمني وتنامي نفوذ فصائل مسلحة منضوية تحت سلطته، إلى جانب اتهامات بتهميش مكونات عرقية ودينية.
توحيد جهود أبناء الوطن
بعيد أدائه صلاة الفجر في الجامع الأموي في دمشق، أكد الشرع الذي ظهر ببزة عسكرية خضراء ارتداها عند وصوله دمشق قبل عام، أن «المرحلة الراهنة تتطلب توحيد جهود أبناء الوطن كافة، لبناء سورية قوية، وترسيخ استقرارها، وصون سيادتها».
وقال جراح العيون إياد برغل لـ«فرانس برس»، «ما جرى خلال سنة يشبه المعجزة»، معددا رفع العقوبات التي أرهقت سورية خلال سنوات الحرب والاستقبال الحافل الذي حظي به الشرع من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشهر الماضي. وسأل «من كان ليتخيل ذلك كله قبل عام؟».
لكنه على غرار سوريين كثر، ينتظر اليوم من السلطات الانتقالية تحسين «الكهرباء وخفض الأسعار وزيادة الرواتب، ويبقى الأهم بالنسبة إليَّ (ترسيخ) السلم الأهلي» الذي عكّرته خلال الأشهر الماضية أعمال عنف طائفية وحوداث قتل وخطف.
وبالمثل، أعرب غيث طربين، وهو عامل في المجال الإنساني في دمشق، عن أمله في أن تصب الحكومة اهتمامها على «المسائل الداخلية.. وأن تعطي أولوية لموضوع السلم الأهلي».
تحديات يواجهها الشرع للحفاظ على وحدة سورية
ومن جهتها، اعتبرت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الإثنين، أن السلطات اتخذت «خطوات إيجابية باتجاه العدالة والشفافية والحقوق، لكنها أخفقت في منع استمرار العنف والانتهاكات».
وفي السياق ذاته، اعتبرت منظمة العفو الدولية أن «رد الحكومة الجديدة على الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت منذ توليها السلطة، بما في ذلك عمليات القتل الطائفية في مناطق الساحل وجنوب سورية، سيعتبر اختبارا حقيقيا لالتزامها بملاحقة العدالة والمساءلة».
وعلى الرغم من اتخاذه خطوات عدة لترسيخ حكمه، يواجه الشرع تحديا رئيسيا في الحفاظ على وحدة سورية، مع ارتفاع أصوات في الجنوب وأخرى في الساحل الذي شهد مؤخرا تظاهرات غير مسبوقة احتجاجا على الوضع الأمني والمعيشي، تطالب بالانفصال أو بحماية دولية، وإصرار الأكراد على حكم لا مركزي.
- بالصور.. السوريون يحيون الذكرى الأولى للإطاحة بنظام الأسد
- الشرع: سورية تخوض مفاوضات بمشاركة أميركية من أجل الانسحاب الإسرائيلي
- الأمم المتحدة: أكثر من 128 ألف نازح جراء أعمال العنف في جنوب سورية
فوفقا لتقرير أذاعته «قناة الغد»، تسعى الإدارة بقيادة الأكراد إلى حماية سلطتها في المنطقة التي تسيطر عليها، بينما في الجنوب يطالب بعض الدروز بالاستقلال في محافظة السويداء منذ مقتل المئات هناك في يوليو خلال اشتباكات دامية.
ومن ناحية أخرى، تشكل «إسرائيل» التي ترغب بدورها بتكريس منطقة خالية من السلاح تصل تخوم دمشق، وتتوغل قواتها بشكل يومي في عمق سورية، تحديا آخر لسلطة الشرع. وخاض الطرفان السوري والإسرائيلي جولات تفاوض مباشر على مستوى وزاري، لكن ذلك لم يوقف هجمات «إسرائيل» المتكررة على أراض سورية.
تعليقات