قالت جريدة «ذا غارديان» البريطانية إن «الخطوط الصفراء» الموقتة التي ترسم حدود وقف إطلاق النار في غزة بدأت تتخذ شكلا ماديا بشكل متزايد مع ظهور علامات على تعثر تنفيذ الهدنة الهشة، ما يثير تساؤلات حول تحولها إلى حدود دائمة تقسم القطاع وتضع ظلالا وخيمة على مستقبل الدولة الفلسطينية.
وبدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي في وضع كتل خرسانية صفراء اللون كل 200 متر لتحديد المنطقة التي ما زالت تحت السيطرة الإسرائيلية، خلال المرحلة الأولى من تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار. إلا أن «ذا غارديان» قالت، في تقرير أمس الأحد، إن الخطوط الصفراء بدأت تتخذ شكلا أكثر ديمومة، فيما يوصف بـ«عملية استيلاء كبرى» على أراضي غزة.
تقسيم غزة
وذكرت الجريدة البريطانية أن الخطوط الصفراء تقسم غزة فعليا إلى جزءين، حيث تعمل قوات الاحتلال الإسرائيلي في المناطق الواقعة شرق الخط، والتي تشمل شرق وشمال وجنوب القطاع، على إنشاء عشرات المواقع العسكرية، وتقوم بإطلاق الرصاص على كل من يقترب من هذا الخط.
- ملك الأردن: الدول العربية لن تشارك في مهام «فرض السلام» في غزة
- «القاهرة الإخبارية»: مصر تدفع بمساعدات لوجستية ومعدات لتحديد أماكن جثث المحتجزين في غزة
- تقرير: دول عربية وإسلامية متخوفة من ضم بلير إلى مجلس السلام في غزة
أما في النصف الثاني من الخط الأصفر وهي المنطقة الغربية من القطاع، تقول «ذا غارديان» إن «حركة حماس تعمل على إعادة تأكيد سلطتها في ظل الفجوة التي خلفها الانسحاب الجزئي للجيش الإسرائيلي».
ويستمر الخط الأصفر في اتخاذ شكل أكثر ديمومة، ويشار إليه بشكل متزايد في وسائل الإعلام الإسرائيلية على أنه «حدود جديدة»، إذ توقع المراسل العسكري يواف زيتون في جريدة «يديعوت أحرونوت» أن يتحول الخط الأصفر إلى «حاجز عالٍ ومتطور من شأنه تقليص قطاع غزة وتوسيع منطقة النقب الغربي، والسماح ببناء مستوطنات إسرائيلية هناك».
«ضم زاحف» لغزة
فيما قال رئيس منظمة «لاجئون بلا حدود» الحقوقية والمسؤول السابق في وكالة المعونة الأميركية، جيريمي كونينديك: «يبدو الأمر كأنه ضم زاحف لقطاع غزة على أرض الواقع».
وتنص بنود وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر الجاري، على انسحاب القوات الإسرائيلية إلى الخطوط الصفراء، مما يعني بقاءها في 53% من إجمالي مساحة القطاع.
إلا أن تحليل الأقمار الصناعية أجرته إذاعة «بي بي سي» البريطانية أظهر أن الخطوط الصفراء وضعت مئات الأمتار بعيدا عن الخطوط المقترحة في اتفاق الهدنة، مما يمثل عملية استيلاء كبيرة على الأراضي في غزة.
وقالت «ذا غارديان» إن «الأمر الذي يبدو واضحا الآن هو تقسيم قطاع غزة، مع تكدس جميع سكان القطاع في نصف أراضي القطاع، وسط الحطام الذي خلفه عامان من القصف الإسرائيلي».
الحرب لم تنتهِ
وداخل غزة، تحدثت الجريدة عن شعور متنامٍ لدى السكان بأن الحرب لا تزال مستمرة على الرغم من وقف إطلاق النار، مع عدم قدرة المئات على العودة إلى منازلهم بسبب الخطوط الصفراء غير محددة المعالم. وقال محمد خالد أبوالحسين، وهو أب لخمسة أطفال ويبلغ من العمر 31 عامًا: «في منطقتنا، الخطوط الصفراء غير واضحة المعالم. لا نعرف أين تبدأ أو تنتهي. أعتقد أنها أوضح في أماكن أخرى، لكن هنا، لا شيء محدد». ويقع منزل عائلته في القرارة، شمال خان يونس وشرق الخط الأصفر مباشرة، في المنطقة الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي.
وأضاف: «نشعر وكأن الحرب لن تنته بشكل فعلي بعد. ما فائدة وقف إطلاق النار إذا لم أستطع العودة إلى منزلي؟. ينفطر قلبي عندما أشاهد أناس يعودون إلى منزلهم، في حين أنني عالق بين الأمل والخوف».
بدوره، قال أبومنديل، 58 عامًا، إن بقايا منزله تقع في شرق القرارة، لكنه لا يملك أملًا كبيرًا في العودة إليه في وقت قريب، وأضاف: «نصب الجيش الإسرائيلي رافعات وأبراج مراقبة ودبابات هناك. إنهم يراقبون كل حركة ويطلقون النار على أي شخص يقترب».
وتابع: «لم نرَ العلامات الصفراء بأنفسنا، لأن أي شخص يحاول الوصول إلى تلك المناطق يتعرض للاستهداف فورًا. لا تتردد الطائرات المسيرة في إطلاق النار على أي شخص يتحرك باتجاهها، وكأن الاقتراب من أرضنا أصبح جريمة».
انتهاكات مستمرة لاتفاق الهدنة
وكررت الحكومة الإسرائيلية، الأحد، إصرارها على إبقاء سيطرتها الأمنية في غزة. وقال رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، للوزراء إن «إسرائيل ستقرر بنفسها متى وأين ستوجه ضرباتها لأعدائها، والدول التي سيسمح لها بإرسال قوات لمراقبة تنفيذ الهدنة».
وعلى الرغم من مرور أسبوعين على دخول الهدنة حيز التنفيذ، أشارت «ذا غارديان» إلى مقتل ما لا يقل عن 20 فلسطينيا بشكل يومي، كثير منهم قرب الخطوط الصفراء التي حددها الاحتلال الإسرائيلي.
ولا تزال العقبات السياسية هائلة أمام التحرك صوب المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، بحسب «ذا غارديان»، وهي المرحلة التي تشمل نزع سلاح «حماس» واستبدالها بقوة استقرار دولية، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الخطوط الصفراء إلى مواقع قريبة من حدود غزة. ويعارض الجناح اليميني في الائتلاف الحكومي لنتنياهو بشدة تنفيذ بند الانسحاب الكامل، وتدويل السيطرة على غزة.
تعليقات