هنا غزة حيث الموت في كل مكان على وقع حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال الصهيوني منذ 18 شهرا، لكن هذا لا يكفي مجرمي الحرب الإسرائيليين، بل يزيدون من الحصار على أكثر من مليوني فلسطيني أنهكهم الموت والجوع وكل شيء، ليصبح الطحين عملة نادرة تتشارك العائلات الكميات القليلة المتوافرة منه، للاستمرار فيما الجوع يتربص بها.
وتجلس فلسطينيات على الأرض ويخلطن بتأن كميات الطحين القليلة، إذ تقول أم محمد عيسى، وهي متطوعة تساعد في صنع الخبز بما توافر من موارد «لأن المعابر مغلقة، لم يعد هناك غاز، ولا طحين، ولا حتى حطب يدخل إلى القطاع»، وفق تقرير لوكالة «فرانس برس».
- «أونروا»: أوامر التهجير الإسرائيلية تترك أقل من ثلث مساحة قطاع غزة للعيش فيها
ومنذ الثاني من مارس، منعت «إسرائيل» بشكل تام إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع المنكوب، التي كانت تصل أثناء هدنة مبرمة منذ 19 يناير، لكن قبل ذلك ومنذ السابع من أكتوبر 2024، بقي الحصار أيضا ضمن حرب شاملة تستهدف إبادة وتهجير الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وسط صمت دولي، ودعم أميركي غير مسبوق لكيان الاحتلال.
أزمة إنسانية متفاقمة في القطاع
واستأنف الاحتلال في منتصف مارس حرب الإبادة التي خلفت حتى الآن أكثر من 165 ألف شهيد ومصاب ومفقود، ودمارا كاملا في كل مناحي الحياة.
وتحذر الأمم المتحدة من أزمة إنسانية متفاقمة في القطاع جراء توقف المساعدات لسكانه البالغ عددهم 2,4 مليون نسمة.
وتفتقر المنظمات الإنسانية العاملة في غزة إلى السلع الأساسية من غذاء ودواء.
وتقول أم محمد عيسى إن المتطوعين لجؤوا إلى حرق قطع الكرتون لإعداد خبز الصاج، مؤكدة «ستحل المجاعة. سنصل إلى مرحلة لا نستطيع فيها إطعام أطفالنا».
وسبق لمنظمات إغاثة دولية أن حذرت من مجاعة وشيكة خلال حرب الإبادة المتواصلة منذ 18 شهرا.
«الخبز ثمين جدا»
وحتى نهاية مارس الماضي، كان سكان القطاع يقفون في طوابير كل صباح أمام مخابز قليلة كانت لا تزال تعمل، على أمل الحصول على بعض الخبز.
لكن، بدأت الأفران الواحدة تلو الأخرى توقف عملها مع نفاد مكونات الخبز الأساسية من طحين وماء وملح وخميرة.
وحتى المخابز الصناعية الكبيرة الأساسية لعمليات برنامج الأغذية العالمي، أغلقت أبوابها بسبب نقص الطحين والوقود اللازم لتشغيل المولدات.
وقالت منظمة «المطبخ المركزي العالمي» الخيرية الأربعاء إن الأزمة الإنسانية تتفاقم يوما بعد يوم. وكتبت عبر منصة «إكس»، «الخبز ثمين جدا، وغالبًا ما يحل محل وجبات الطعام العادية حيث توقف الطهي».
ومخبز هذه المنظمة الخيرية هو الوحيد الذي لا يزال يعمل في قطاع غزة، وينتج 87 ألف رغيف يوميا.
ويقول رب العائلة بكر ديب البالغ 35 عاماً من بيت لاهيا في شمال القطاع «بنيت فرناً من الطين لأخبز فيه الخبز وأبيعه». وعلى غرار معظم سكان القطاع نزح «ديب» بسبب الحرب، وهو الآن في مدينة غزة.
لكنه يقول «هناك نقص حاد في الطحين الآن.. وهذا فاقم أزمة الخبز أكثر».
«نحن نموت حرفياً من الجوع»
وتوقف بيع الطعام في بسطات على جوانب الطرق فيما الأسعار في ارتفاع مستمر يجعل غالبية السكان غير قادرين على شراء السلع.
وظنت فداء أبو عميرة أنها عقدت صفقة رابحة عندما اشترت كيسا كبيرا من الطحين في مقابل مئة دولار في مخيم الشاطئ للاجئين في شمال القطاع، لكنها تقول بحسرة «ليتني لم أشتره. كان مليئاً بالعفن والديدان. وكان طعم الخبز مقززاً».
وقبل الحرب، كان الكيس نفسه، زنة 25 كيلوغراماً، يُباع بأقل من 11 دولارا.
وتقول تسنيم أبو مطر من مدينة غزة «نحن نموت حرفياً من الجوع». وأضافت، وهي تبلغ من العمر 50 عاماً «نحسب ونقيس كل ما يأكله أطفالنا، ونقسم الخبز ليكفي لأيام" مؤكدة "يكفي! فقد وصلت القلوب الحناجر».
الاحتلال يستخدم التجويع كسلاح في الحرب
ويبحث أشخاص بين الأنقاض عما يسدّ جوعهم، بينما يسير آخرون مسافة كيلومترات إلى نقاط توزيع المساعدات أملاً في الحصول على القوت لعائلاتهم.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإن أكثر من 250 مركز إيواء في غزة افتقر الشهر الماضي إلى الطعام الكافي أو لم يتوافر لديه أي طعام على الإطلاق.
وتتهم حركة المقاومة الإسلامية «حماس» الاحتلال الإسرائيلي باستخدام التجويع كسلاح في الحرب، فيما طوّر سكان غزة قدرتهم على الصمود خلال هذه الحرب وعلى مر مواجهات سابقة مع «إسرائيل»، لكنهم يقولون إنهم غالبا ما يشعرون بأن هذه الطرق المبتكرة للتكيّف تعيدهم قرونا إلى الوراء.
تعليقات