جريدة «الوسط»: إنزال أوروبي خلف الخطوط الروسية التركية في ليبيا

الدبيبة ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل خلال لقاء في العاصمة طرابلس، 4 أبريل 2021. (المكتب الإعلامي لرئيس حكومة الوحدة الوطنية)

بعد تسلم السلطة الجديدة في ليبيا مهامها، بدأ الأوروبيون يتعاملون مع هذا الواقع الجديد يلاحقهم هاجس الوجود التركي والروسي المعقد، الذي لا يبدو أنه سيختفي رغم دعوات المتفائلين، وهو ما أدركوه وكثفوا ضغوطهم على السلطة الجديدة لتحجيمه، وتحديدًا الوجود التركي في الشق الخاص بمذكرة ترسيم الحدود البحرية.

هذا ما يمكن أن يقاس عليه في مدى الانخراط الأوروبي في مرحلة ما بعد الصراع الليبي، مثل إيطاليا وفرنسا واليونان ومالطا؛ حيث يعتزم سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا العودة إلى طرابلس نهاية أبريل الجاري، وأعلن رئيس الوزراء المالطي روبرت أبيلا، الإثنين، من طرابلس إعادة فتح سفارة فاليتا، واستئناف الرحلات الجوية مع ليبيا خلال أيام، وبالمثل فعل نظيره اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، فأكد أن هدفه الرئيس من زيارة العاصمة الترتيب لاستئناف التمثيل الدبلوماسي، وافتتاح قنصلية في بنغازي بعد ذلك، فيما سبقتهم فرنسا إلى ذلك نهاية مارس المنصرم.

الحضور القنصلي الإيطالي سبق كل هؤلاء، فقد فضل رئيس وزرائها ماريو دراغي القيام بأول زيارة خارجية إلى مستعمرتهم السابقة في أول جولة لرئيس حكومة إلى ليبيا منذ 2012، لتخفي مهمته برمزيتها الارتقاء بمستوى العلاقات الجيواستراتيجية، التي حجبها خلال الأشهر الأخيرة الحضور التركي غرب البلاد، والروسي في شرقها ووسطها، وبالإضافة إلى العلاقات الاقتصادية الإيطالية الليبية يعد ملف الطاقة مهمًا في ظل وجود «إيني» كركيزة استراتيجية لكلا البلدين، لكن خلال الأشهر الماضية شهدت منافسة من تركيا في مساع لمراجعة الوضع الراهن في صناعة الطاقة الليبية من خلال تهميش «توتال» الفرنسية و«إيني»، ضمن محاولة الوصول الكامل إلى الموارد الطبيعية في ليبيا، إلى جانب قضية المهاجرين التي تتطلع إيطاليا إلى أن تعزز الحكومة الليبية الجديدة وقف تدفقاتهم من الجنوب، التي كانت تعد من مناطق النفوذ الفرنسي، علمًا بأن العلاقات بين باريس وروما تجاوزت بقدر كبير خلافاتهما أخيرًا بشأن ليبيا تعكسها آخر زيارة مشتركة قادت وزيري خارجيتهما لويغي دي مايو وجان إيف لودريان إلى طرابلس.

أكار: تركيا ماضية في حماية حقوقها ومصالحها في ليبيا
من هذا المنظور تثير المذكرة البحرية بين أنقرة وحكومة الوفاق السابقة المؤرخة في نوفمبر 2019 وأيضًا الأنشطة العسكرية التركية في ليبيا، مخاوف ثلاثة أعضاء على الأقل في حلف «الناتو»، فرنسا وإيطاليا واليونان.

لمطالعة العدد الجديد 281 من جريدة «الوسط» انقر هنا

وما يهم تركيا ليس الحفاظ على مرتزقتها السوريين، وإنما تثبيت جميع الخبراء العسكريين الأتراك والمستشفيات العسكرية، والموانئ التي قد يستخدم بعضها في دعم وجودها وتحركها الاستراتيجي، ما يؤمن لها حضورا مباشرا في كل أنحاء شرق البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا، ومن جهة أخرى ضمان الحفاظ على مصالحها الاقتصادية داخل البلاد.

ويوم الإثنين الماضي حسم وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، كل التكهنات بانسحاب قواته قائلًا، في تصريحات أدلى بها خلال اجتماع في مقر وزارته، إن بلاده ماضية في «حماية حقوقها ومصالحها في داخل البلاد وخارجها في العديد من المناطق الجغرافية مثل ليبيا وسورية والعراق وقبرص وأذربيجان وشرق البحر المتوسط».

أما أكثر الأهداف إلحاحًا فهو حماية المذكرة البحرية التركية الليبية المؤرخة في 27 نوفمبر 2019، التي بسببها تأثرت العلاقات اليونانية مع حكومة الوفاق السابقة بشكل كبير في نوفمبر 2019، وهي الخطوة التي اعتبرتها أثينا غير مشروعة وغير قانونية وطردت على أثرها سفير حكومة الوفاق (محمد المنفي آنذاك).

واعتبر رئيس الوزراء اليوناني في مؤتمر صحفي مشترك مع عبدالحميد الدبيبة أن «هذه الخطوة الجديدة في علاقاتنا ستصحح وتمحو الأخطاء التي حدثت في المرحلة السابقة»، طالبا إلغاء الوثائق غير القانونية التي توصف بأنها اتفاقات بين الدول في حين ليس لها أي قيمة قانونية، ورد الدبيبة بدوره مظهراً تمسكاً بها قائلا: «نؤكد دائماً أهمية أي اتفاقية تسهم في وضع الحلول المناسبة وتحفظ حقوق ليبيا واليونان وتركيا»، لكنه أبدى في الوقت نفسه استعداد حكومته لتشكيل لجان مشتركة بين ليبيا واليونان وتركيا لاستئناف المفاوضات بشأن ترسيم الحدود البحرية لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة لكلا البلدين بين (جزيرة) كريت وليبيا.
وضمن السياق أتيحت لرئيسي الوزراء الإيطالي واليوناني خلال لقائهما في طرابلس الفرصة لمناقشة اتفاقية ترسيم المنطقة البحرية التي وقعها البلدان، بعدما شددا على ضرورة قيام الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه بدعم جهود إعادة البناء والاستقرار في ليبيا.

رغبة أوروبية في سحب المرتزقة من ليبيا
بموازاة ذلك، طالب رئيسا المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي خلال زيارتهما إلى تركيا، الثلاثاء، ولقائهما الرئيس رجب إردوغان، بأن تظهر أنقرة رغبتها في التهدئة، عبر سحب قواتها العسكرية من ليبيا، وجدد رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشيل، طلبه مغادرة جميع القوات الأجنبية والمرتزقة وهو ما اعتبره شرطاً مسبقاً في طرابلس لعودة الاستقرار نهائياً والالتزام بموعد إجراء انتخابات عامة في 24 ديسمبر المقبل. إلى جانب تسوية خلافاتها البحرية؛ حيث تتوقع بروكسل على وجه الخصوص «مبادرات ذات مصداقية» في سياق نزاع تركيا مع اليونان وقبرص.

لمطالعة العدد الجديد 281 من جريدة «الوسط» انقر هنا

 في السياق يبقى الوضع الأمني في ليبيا مصنفاً في خانة الهشاشة أمام استمرار وجود آلاف من القوات الأجنبية والمرتزقة تحت الغطاءين الروسي والتركي، فيما وصفه تحليل لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى بأنه سيشكل مجالا بالغ الأهمية، حيث يمكن للولايات المتحدة المساعدة في التعامل معه، عبر استمرار القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا في الكشف عن أنشطة مجموعة «فاغنر»، ويرى المعهد أنه يتعين على مخططي الدفاع في حلف «الناتو» الاستعداد للحالات الطارئة المتعلقة بوجود عسكري روسي طويل الأمد في ليبيا. روسيا انتقدت من جهتها بشدة عبر وزير خارجيتها سيرغي لافروف الدور الأميركي في ليبيا، الذي اعتبر أن ليبيا «تحولت إلى ثقب أسود تتوجه منها إلى الشمال حشود من اللاجئين يعاني منها الاتحاد الأوروبي، وإلى الجنوب سيل غير مشروع من الأسلحة والإرهابيين الذين تعاني منهم منطقة الصحراء».

وسط هذه الأجواء المتداخلة والحبلى بتأثير تضارب المصالح بين القوى المؤثرة في الحالة الليبية، يتوقع أن تشهد ليبيا مزيدًا من الحضور الدولي، الأوروبي على الخصوص، قد يبدو سياسيًا في الظاهر لكنه يخفي صراعًا حقيقيًا على المصالح، ما يدعو الليبيين إلى التساؤل كيف ستكون تداعيات هذا الصراع على الوضع الليبي، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى أداء الحكومة الجديدة مهامها، وعلى رأسها قيادة البلاد إلى موعد الاستحقاق الانتخابي يوم 24/12/2021.