«تعويم الدينار».. قضية جدلية قد تفجرها الجولة الجديدة من المسار الاقتصادي بجنيف

تشهد مدينة جنيف السويسرية، اليوم الإثنين، انطلاق جولة جديدة من مفاوضات المسار الاقتصادي بين الأطراف الليبية، تركز على محاولة الاتفاق على «إصلاحات» في السياسة الاقتصادية العامة.

تعقد الجولة تحت رعاية البعثة الأممية لدى ليبيا، وبحضور الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بالإنابة ستيفاني وليامز. وقد يكون الحديث عن توحيد سعر صرف الدينار طرحا أساسيا أمام المجتمعين في جنيف.

وأثيرت أخيرا الدعوة إلى توحيد سعر الصرف، للحد من التأثير السلبي لوجود سعرين للدينار أمام العملات الأجنبية، سعر رسمي ثابت يحدده المصرف المركزي، وآخر في سوق موازية غير قانونية «سوق سوداء»، نمت وتغذت على الصراع السياسي؛ وهي دعوة يرى فيها البعض سلبيات مثل ارتفاع فاتورة الاستيراد وزيادة أعباء المعيشة على المواطنين.

انتعاش السوق السوداء
شكلت السوق الموازية للعملات قناة خاصة لاقتصاد الظل، مستفيدة من أزمات السيولة وفروقات أسعار الصرف، فقد انتعش هذا النوع من الاقتصاد غير الرسمي، واختلط بأنشطة غير مشروعة مثل التجارة في الصكوك والبطاقات المصرفية والاعتمادات المستندية، بل وبأنشطة إجرامية مثل تهريب الوقود والبشر وعمليات الخطف.

وأدت هذه العوامل إلى هبوط قياسي للدينار أمام العملات الدولية الرئيسية وتناقص قيمته الشرائية بشكل مستمر منذ العام 2014، إذ وصل معدل تراجع العملة الليبية أمام الدولار إلى «نسبة 75%»، وفق بيانات أممية حديثة للجنة الاقتصادية والاجتماعية لدول غربي آسيا، «الإسكوا».

وظل السعر الرسمي ثابتا عند 1.4 دينار للدولار، ووصل السعر في السوق الموازية إلى أرقام قياسية في العام 2017، حيث قدر متوسط السعر في السوق الموازية بـ12.39 دينار مقابل الصك المصرفي.

وأشارت الدراسة الأممية إلى الحل الذي تفضله المؤسسات النقدية الدولية وهو «تعويم سعر الدينار الليبي»، ودعت المصرف المركزي في ليبيا إلى «دراسة حلول أكثر ديمومة، مثل إمكانية تحرير العملة المحلية لتجنب الضغط عليها وعلى المصرف المركزي بالبيع بسعر غير عادل».

سلبيات خفض سعر الدينار
يقول الخبير الاقتصادي د. محمد أبو سنينة إن تخفيض سعر الصرف الرسمي للدينار الليبي «يعني دفع مبلغ أكبر من الدينارات لشراء الدولار أو أي عملة أجنبية أخرى، مثل اليورو أو الجنيه الاسترليني».

وأوضح أن الآثار المحتملة التي ستترتب على تخفيض سعر صرف الدينار سيكون منها: ارتفاع أسعار السلع والخدمات التي يتم استيرادها حاليا بسعر الصرف الرسمي، كما أن تكلفة استيراد بعض المحروقات ستزداد بنسبة 200%، حسبما نشر في مقال عبر صفحته بموقع «فيسبوك».

أما أستاذ الاقتصاد في جامعة مصراتة، مختار الجديد، فيرى أن هناك خيارين لأي عملة «إما التعويم وإما التثبيت»، موضحا أن تعويم العملة يعني ترك سعرها يتغير صعودا وهبوطا أمام العملات الأخرى بحسب الطلب على هذه العملة وكمية المعروض منها.

ولفت إلى أن أغلب العملات الرئيسية في العالم معومة «فنشاهد ارتفاعها وانخفاضها بشكل يومي وفي كل دقيقة كالدولار واليورو والباوند والين وغيرها».

ونوه بأن الدينار الليبي كان مثبتا أمام الجنيه الاسترليني في فترة الستينات بسعر جنيه ليبي بجنيه استرليني، وفي بداية السبعينات تم فك ارتباطه بالاسترليني وتثبيته أمام الدولار، قبل فك هذا التثبيت بين العملة الليبية والأميركية في العام 1986.

وأضاف الجديد: «سعر الدولار الآن في المصرف المركزي متغير وليس ثابتا عند سعر 1.40، ويحدث ذلك على مدى العشرين سنة الماضية بين سعر 1.18 وسعر 1.46، فقد تم ربط الدينار بحقوق السحب الخاصة بسعر دينار لكل نصف وحدة حقوق سحب خاصة تقريبا».

من جانبه، يرى الخبير المصرفي، سليمان الشحومي، أن تعديل سعر الصرف أمر ليس سهلا، «بسبب عدم وجود التنسيق بين السياسة النقدية من طرف والسياسات المالية والتجارية من طرف آخر».

مخاوف من زيادة التضخم
وأضاف أن التعديل يتم عبر قرار مجلس إدارة المصرف المركزي بسعر ثابت جديد، وسيكون في مدى السعر الرسمي مع الضريبة الحالية؛ مع زيادة محدودة جدا لتقليص فجوة التوقعات بحجم الطلب على شراء الدولار بين 3.80- 4.25 دينار، «ولا يمكن أن تكون الأسعار قريبة من أسعار السوق الموازية كونها تزيد من حالة التضخم والركود معا وتزيد من حالة عدم الثقة بالسوق».

وأشار إلى أن «التعديل يعني ضرورة إعادة تقييم الأصول النقدية للعملة الأجنبية، كما أنه سيزيد من حجم الإنفاق بالموازنة الحكومية القادمة ويرفع المستوى العام للأسعار، ويتطلب أن يتم إخطار صندوق النقد الدولي لإعادة تقييم العملة الليبية أمام وحدات حقوق السحب الخاصة».

ويتطلب التعديل كذلك، وفق الشحومي، «أن تعدل الحكومة مشروع الموازنة العامة وفقا للسعر الجديد، وتقوم بمعالجة دعم الوقود ورصد المخصصات اللازمة لمعالجة الانخفاض في الدخل الحقيقي للمواطن، لحماية الفئات الهشة، وعلى الأغلب يكون ذلك عبر علاوة العائلة المتوقفة، التي تراكمت عبر سنوات من عدم الصرف، فضلا عن إطلاق مشروع جديد للمرتبات والأجور وإعادة هيكلة الإنفاق الحكومي الأخرى، لمجابهة العجز المتوقع في الموازنة، والتوافق مع المصرف المركزي في آليات تمويل العجز بالميزانية القادمة، وسداد وتسوية التزامات الدين العام السابقة عبر إجراء تعديل لتقييم الاحتياطيات».

ويتوقع كذلك أن يتجه «المصرف المركزي لإقرار سعر جديد، ويشترط على الحكومة أن تعلن عن برنامجها وتباشر تنفيذ الإصلاحات المالية والتجارية، وذلك لمراجعة السعر والتأكد من أنه يحقق التوازن المطلوب».

وأخيرا، يلفت الشحومي الانتباه إلى أن إجراء الإصلاحات الاقتصادية يتطلب توافقا وتناغما «مفقودا حاليا» بين الأطراف المسؤولة عن إقرار وتنفيذ الإصلاحات المرتبطة بتأثير تعديل سعر الصرف.

المزيد من بوابة الوسط