«لوموند»: تظاهرات ليبيا مؤشر على بداية بروز تيار منفصل عن الجهات السياسية والعسكرية

شاب يحمل لافتة للمطالبة بحماية المال العام ومحاربة الفساد في تظاهرة بمدينة بنغازي، 11 سبتمبر 2020. (الإنترنت)

اعتبرت جريدة «لوموند» التظاهرات الأخيرة في شرق وغرب ليبيا «مؤشرا على بداية بروز تيار رأي جديد منفصل عن الجهات الفاعلة السياسية والعسكرية التي سيطرت على البلاد منذ ست سنوات»، محذرة من «القفز على الحركة الاحتجاجية من قبل مجموعات مختلفة مرتبطة بالجناحين السياسي والعسكري في كل معسكر».

وأشارت الجريدة الفرنسية، في تقريرها الصادر أمس الأربعاء، إلى أن «مشهد رفع المتظاهرين لافتات، وترديدهم شعارات ضد الفساد وغلاء المعيشة أو فشل الخدمات العامة، حلت محل صور الميليشيات المسلحة المساهمة بشكل كبير في تشكيل السمعة الخارجية للبلاد».

وركز التقرير على الاحتجاجات التي خرجت منذ 23 أغسطس في طرابلس ومصراتة والزاوية، قبل أن تمتد إلى بنغازي وطبرق والمرج في برقة، وغالب المشاركين فيها شباب.

ولفت التقرير إلى «تدخل بعض الجماعات المسلحة لمحاولة قمع الحركة الاحتجاجية»، مشيرا إلى تنديد منظمة «هيومن رايتس ووتش» بـ24 عملية اعتقال في طرابلس بين 23 و 29 أغسطس، في وقت نددت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا وفاة متظاهر، أما مظاهرة في المرج في 12 سبتمبر «فقد تمكنت من التعبئة والظهور بسهولة نسبية حيث تداخلت شعارات المتظاهرين مع هموم السكان».

بروز تيار جديد
وترى الجريدة في هذه التطورات بروز تيار جديد في ليبيا «ينفصل عن الجهات الفاعلة السياسية والأمنية التي سيطرت على البلاد منذ أن أصبحت غارقة في حرب منذ العام 2014»،لافتة إلى الطابع الاجتماعي والاقتصادي لشكاوى المحتجين من نقص المياه والكهرباء والسلع الاستهلاكية والتضخم وما إلى ذلك.

«لكن الحكم السيئ الذي دانته (التظاهرات)» يثير ضمنيا مسألة مصادرة البلاد من قبل ما سمته «لوموند» بـ«كارتل الميليشيات والشبكات السياسية المرتبطة بها في كل من الغرب والشرق».

وتعلق الباحثة في معهد الجامعة الأوروبية فيرجيني كولومبييه، في تقرير، «بعيدا عن المناخ المحلي والسياقات المحلية فإن هذه الحركات الاحتجاجية موجهة ضد النخب السياسية، التي تنغمس في استعراض القوة، وغير قادرة على تزويد السكان بالخدمات الأساسية».

أزمات «كورونا» والكهرباء والوقود
يأتي ظهور هذا الاحتجاج في سياق هدوء عسكري نسبي بين قوات حكومة الوفاق وقوات القيادة العامة التي انسحبت من ضواحي طرابلس، واضطرار الأخيرة إلى التوقف حول الجبهة الجديدة التي أقيمت في وسط البلاد على طول محور «سرت - الجفرة»، رغم «عدم توقيع وقف إطلاق النار رسميا»، وفق الجريدة.

وأشارت إلى أن خفض التصعيد على خلفية الانقسام السياسي أدى إلى ظهور تدهور ظروفهم المعيشية في نظر السكان مع الانتشار المتسارع لوباء «كورونا».

التقرير سلط الضوء على تسجيل ليبيا أعلى زيادة في معدل الإصابة في شمال أفريقيا، وشكوى السكان من انقطاع التيار الكهربائي الذي يستمر ثلاثة أيام متتالية أحيانا، والطوابير أمام محطات الوقود، ونقص السيولة المصرفية والتضخم.

وأكدت «لوموند» تفاقم الفوضى الاقتصادية منذ الإقفالات النفطية في 19 يناير، بهدف الضغط على البنك المركزي، لإعادة النظر في توزيع عائدات الطاقة بين طرابلس وبرقة، مما أدى إلى انخفاض إنتاج النفط بنسبة 90%.

دور المجتمع الدولي
وتثير الجريدة الفرنسية التساؤلات حول مدى قدرة المجتمع المدني على تعديل أوراق ليبيا المجمدة حتى الآن في الانقسامين السياسي والعسكري؟ ويعتقد الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الدولية، طارق مجريسي، أن «هذه الطاقة الجديدة التي تجلت من خلال الاحتجاجات هي محرك للتغيير لإعادة توحيد البلاد إلى ما بعد الانقسام بين الشرق والغرب».

ومع ذلك فإن العقبات التي تواجه المتظاهرين هائلة الأولى، وفق التقرير، الذي يرى معدوه أن الخطر الدائم يتمثل في «استغلالها من قبل مجموعات مختلفة مرتبطة بالجناحين السياسي والعسكري في كل معسكر».

وحسب الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية ومقره برلين ولفرام لاتشر «في هذه المرحلة، يبدو من الصعب على حركة كبيرة أن تتطور بشكل مستقل، في الغرب كما في الشرق ، بسبب التلاعب في أهدافها».

الخلافات داخل معسكري الغرب والشرق
ومع انطلاق الاحتجاجات في طرابلس يلفت التقرير الفرنسي إلى اندلاع «الصراعات داخل المجلس الرئاسي»، وما وصفه بـ«التنافس بين (رئيس المجلس) فائز السراج ، ووزير داخليته فتحي باشاغا».

وقال إن النزاع بين الرجلين «يعكس إلى حد ما التوترات المتكررة بين الجماعات المسلحة في طرابلس، والتي تنتشر حول السراج، وتلك الموجودة في مصراتة -حيث ينتمي باشاغا- والتي لعبت دورا استراتيجيًا في الدفاع عن العاصمة».

أما في برقة، فيرجح التقرير ظهور «سيناريو مشابه» مع مظاهرات في بنغازي وطبرق والمرج «تشكل جزءا من خلفية صراع كامن على النفوذ بين (القائد العام للجيش) المشير خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح».

واعتبرت «لوموند» أن أنصار المشير خليفة حفتر «دعموا بشكل علني مطالب المتظاهرين، عبر توجيهها ضد السلطات المدنية في الشرق».

«الخوف من الانتقام العسكري»
وتزعم الباحثة في «هيومن رايتس ووتش» في ليبيا حنان صلاح أنه «في شرق ليبيا، يبدو من الصعب أن تأخذ الاحتجاجات منعطفا سياسيا ضد حفتر خوفا من انتقام عسكري».

كما توضح «لوموند» أنه بعد حرب العاصمة، «فقد المشير خليفة حفتر دعم القبائل، حيث وجه بعضها ولاءه إلى عقيلة صالح»، متابعة: «القبائل بصدد التخلي عن حفتر الذي لم يعد مدعوما من (الجماعات المسلحة) السلفية، كما حدث الطلاق أيضا بين أنصار حفتر وقبيلة القذاذفة في سرت»، وفق تعبيرها.

لكن الجريدة ترى أن بعض المحللين «ما زالوا متفائلين بشأن سيناريو تجديد المشهد السياسي الليبي، واحتمالية تجاوز الانقسامات الإقليمية في المستقبل».

وأضافت: «لا يمكن استبعاد أن الحركة الاحتجاجية ستهرب في النهاية من السلطات وستواجه تصعيدا» ضاربة مثالا بالشرق «حيث لا يزال هيكل قوة حفتر قائما، لكنه هش»، وتابعت: «كل شيء يمكن أن ينهار بسرعة كبيرة إذا سقط حاجز الخوف»، حسب قولها.

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط