جريدة «الوسط»: الحل أو «الموجة الثانية» لانتفاضة الليبيين

متظاهرون في ميدان الشهداء في طرابلس، 23 أغسطس 2020، (الإنترنت)

حدثان مهمان في مسار الأزمة الليبية، كسرا فجأة الجمود الذي آلت إليه الأوضاع، منذ توقف حرب العاصمة، والحديث عما بعده، الأول صدور بياني الجمعة على التوالي، أحدهما من قبل رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، والثاني، لرئيس مجلس النواب عقيلة صالح، واتفق البيانان على وقف إطلاق النار في كامل المناطق الليبية، والعمل على إعادة فتح الحقول والموانئ النفطية، ثم التوجه نحو استئناف المفاوضات السياسية، العسكرية المعروفة بـ«5+5»، وفيما كانت أوساط الداخل والخارج تتداول فحوى البيانين وترصد ردود الفعل عليهما، تفجر الحدث الثاني متمثلا في مظاهرات الغضب بالعاصمة طرابلس، ومدن أخرى، بينها مصراتة، احتجاجا عى استشراء الفساد، وسوء الحالة المعيشية والخدمات، وعجز الحكومة عن معالجة الأزمات الناجمة عن ذلك، بسبب سوء الأداء والإدارة.

بيانا السراج وعقيلة جاءا ليعطيا آمالا جديدة بالخروج من نفق الأزمة، التي تفاقمت منذ الانقسام السياسي في العام 2014، إذ توصف الخطوة بـ«الشجاعة»، حسب تعبير ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة بالإنابة ستيفاني وليامز، ورغم غموض مسلك المفاوضات الذي قاد نحو التوصل إلى البيانين، إلا أن ترتيبات الحل فيهما تشير إلى «توافق مهم» وإمكانية كسر الحواجز بين الفريقين، خصوصا مع الترحيب المعلن من كل الأطراف الإقليمية والدولية بهذين البيانين، والتحركات الأميركية الأخيرة للسفير الأميركي ريتشارد نورلاند، التي تعطي انطباعا بأن توافقات يجري الإعداد لها، فيما لا يستبعد مراقبون أن تكون واشنطن هي قوة الدفع الرئيسة للتطورات الأخيرة، بعد ما يعتبره متابعون للشأن الليبي تولي وزارة الخارجية الأميركية الملف الليبي بالكامل، وإزاحة اللغط الذي تسببت فيه مكالمة الرئيس ترامب الهاتفية مع المشير خليفة حفتر في الأيام الأولى لحرب العاصمة، التي اعتبرها البعض تحمل تأييدا ضمنيا لخطوة حفتر.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 249 من جريدة «الوسط»

وجاءت التحركات الأخيرة للسفير الأميركي ريتشارد نورلاند، لتعكس الموقف الأميركي الحالي، حيث التقى عقيلة ومسؤولين مصريين في القاهرة، 12 أغسطس الجاري، لبحث مقترحه بشأن «حل منزوع السلاح حول سرت والجفرة، والأسبوع الماضي بحث مع ‏النائب الأول بالمجلس الرئاسي، أحمد معيتيق، وقف التصعيد العسكري في مدينة سرت، كما غادر السفير الأميركي القاهرة إلى العاصمة التركية أنقرة، حيث صرح من هناك بأنه ناقش مع المسؤولين الأتراك «سحب القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، ونزع السلاح من وسط ليبيا، وإنهاء الصراع الليبي».

وكانت أبرز مطالب التحرك الاحتجاجي الذي اتخذ اسم «حراك همة الشباب»، هي إقالة ومحاسبة المسؤولين عن الفساد ومعاناة الناس، وأحدث التحرك هزة قوية في الأوساط السياسية، وأقلقت المسؤولين «مما أجبر رئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج، على الخروج من صمته الطويل، ليلقي كلمة للشعب، أعلن فيها جملة من الوعود لمعالجة الأزمات في البلاد، وعلى رأسها أزمة الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي، وشح السيولة، وتراكم فساد الإدارة، السراج أعلن في كلمته عزمه على إجراء تعديل وزاري عاجل، خصوصا في ما يتعلق بالوزارات الخدمية، واعدا بأن يكون اختيار الوزراء على أسس الكفاءة والقدرات وطهارة اليد، ملوحا في الوقت نفسه بأنه قد يلجأ إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لتنفيذ التعديلات الحكومة لتجاوز مشكلة المحاصصة، حسب قوله، كما جدد دعوته إلى إجراء انتخابات عامة في مارس من العام القادم، وفق ما ذكر في بيانه الجمعة الماضي. 

اضغط هنا للاطلاع على العدد 249 من جريدة «الوسط»

ولم تمر مظاهرات طرابلس بسلاسة كما كانت حكومة الوفاق ومجلسها السياسي ترغب، إذ اتخذ الأمر منحى آخر كان يمكن أن يتصاعد ويؤدي إلى مآلات خطيرة، حين أطلق مسلحون النار باتجاه المتظاهرين في أول أيام التظاهر التي تواصلت لثلاثة أيام، قبل أن يقر المجلس الرئاسي فرض حظر تجول كامل اعتبارا من السادسة مساء، والسبب المعلن هو الإجراءات الوقائية ضد فيروس «كورونا»، لكن القرار واقعيا وُظف للحد من التجمعات والتظاهر، وكشفت واقعة إطلاق النار خلافا وتباعدا بين وزارة الداخلية ووزيرها فتحي باشاغا وبعض «ميليشيات» طرابلس، التي حملها باشاغا مسؤولية إطلاق النار، وهدد في بيان لاحق باستعمال القوة لمواجهة التعدي على المتظاهرين.

ولم يتوقف الأمر عند إطلاق النار بل صاحب وأعقب ذلك حملة اعتقالات طالت عددا من نشطاء حراك المظاهرة، الذين لا يزالون قيد الاحتجاز حتى الآن. وفيما وردت معلومات عن خلافات ومعوقات يواجهها السراج أمام خطوته بإحداث تعديل وزاري، بفعل سطوة بعض «الميليشيات» التي لا تريد إقصاءها من التركيبة السياسية، يجري الكلام أيضا عن خلاف بين السراج وباشاغا على خلفية رغبة السراج سحب حقيبة الداخلية من الأخير وترشيحه لتولي حقيبة الدفاع، ويعتبر متابعون للشأن الليبي هذا التوجه نزولا لضغط «ميليشيات» طرابلس الكبرى، التي تتحفظ على وجود باشاغا على رأس وزارة الداخلية، الذي يقال إنه يتولى تنفيذ أجندة أمنية تتمحور حول تفكيك الأجسام «الميليشياوية» بدعم أميركي تجلى في اجتماعاته المتكررة مع مسؤولين أمنيين أميركيين رفيعي المستوى.

وفي كل الأحوال، فإن بياني السراج وعقيلة الجمعة الماضي، وما تضمناه من مؤشرات مهمة على طريق حل الأزمة الليبية، ومظاهرات العاصمة المطالبة بالحرب على الفساد وتحقيق الإصلاحات الاقتصادية والخدمية، كل ذلك يحمل مؤشرات على أن المرحلة القادمة ستكون حبلى بأحداث وربما مفاجآت، من شأنها إما أن تقفز بالأزمة إلى مشارف الحل، أو تعمل على تعقيدها، وزيادة معاناة الليبيين لفتح الباب أمام الموجة الثانية من انتفاضتهم التي انطلقت موجتها الأولى في فبراير 2011.

المزيد من بوابة الوسط