«ميد إيست» يغذي سباق التنقيب عن الغاز قبالة الساحل الليبي

إحدى المنشآت النفطية في ليبيا. (أرشيفية: الإنترنت)

خطوة تصعيدية جديدة تواجه بها الدول المعنية بالاتفاق التركي مع حكومة الوفاق الوطني قبل بدء أشغال التنقيب قبالة السواحل الليبية، مع مصادقة إسرائيل، الإثنين الماضي، على اتفاق ثلاثي يعرف باسم «إيست ميد» لمد أنبوب الغاز في البحر المتوسط لتصديره عبر قبرص واليونان وصولاً إلى إيطاليا ومنها للدول الأوروبية.

وجاء الاتفاق كبديل عن مشروع سابق كان يمهد لنقل أنبوب الغاز المكتشف في فلسطين المحتلة في شرق «المتوسط» وصولاً إلى تركيا، ومن ثم إلى بقية الدول الأوروبية لكن توتر العلاقات بين الكيان الصهيوني وأنقرة أسقط التحالف، وشجع كل طرف على البحث عن بديل يوقع معه الاتفاق، فكان أن وجدت إسرائيل في التحالف مع قبرص واليونان خيارا استراتيجيا في انتظار موافقة ايطاليا، أما تركيا فاستنجدت بحكومة الوفاق الوطني.

للاطلاع على العدد 244 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

وصادقت الحكومة الصهيونية، الإثنين الماضي، على اتفاق ثلاثي وقع في أثينا في يناير بين رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس والرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس. وقال مسؤولون إن تصديق كل من قبرص واليونان وإيطاليا للاتفاق سيحسم نهائيا سبيل تصدير الغاز الإسرائيلي إلى العالم.

وحسب الخطط الرسمية للمشروع، فمن المقرر مد أنبوب الغاز تحت مياه البحر على طول 1900 كلم، منها 550 كلم في اليابسة و1350 تحت الماء. في حين سيمكن المشروع في حال مد الأنبوب، إسرائيل من تصدير الغاز الذي تم العثور عليه في حقلَي «لفيتان» و«إيتمار»، إلى جانب الغاز الذي تم العثور عليه أيضا في المياه الاقتصادية لقبرص، وفق ما أفادت جريدة «يسرائيل هيوم» الثلاثاء.

والأنبوب سيمكن من ربط شرق حوض المتوسط باستثناء لبنان وسورية بشبكة تصدير واحدة تضم كلا من قبرص واليونان وإسرائيل وإيطاليا. وتصل كلفة المشروع إلى ستة مليارات يورو، بدعم من الاتحاد الأوروبي، على أمل أن ينتهي العمل في المشروع حتى العام 2025. وأشاد السفير اليوناني لدى إسرائيل باناجيوتيس ساريس بموافقة الكيان الصهيوني على مشروع خط أنابيب الغاز «إيست ميد»، إذ حذر من اعتراضات تركيا على المشروع وتحركاتها التوسعية في البحر المتوسط من مخاوف أمنية.

وخط أنابيب «إيست ميد» بحسب ساريس «يحول الطاقة إلى محفز للتعاون والاستقرار الإقليميين، لصالح الجميع، ونريد أن تكون تركيا شريكة معنا وليست جارة بلطجية، لكن هذا يثبت أنه صعب حاليا». وتعول قبرص وإسرائيل على المشروع لكي تكونا قوتين للطاقة من خلال توجيه الغاز الطبيعي من حقولها عبر اليونان إلى أوروبا الغربية والشرقية عبر إيطاليا التي قبلت المشروع، لكنها لم توقع الاتفاق بعد. وصدق أيضا البرلمان القبرصي، يوم الجمعة، على الاتفاقية فيما وافقت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على المشروع.

وذكرت سفارة الاتحاد الأوروبي في تل أبيب أن «الاتحاد الأوروبي ساعد الأطراف على صياغة الاتفاقية الحكومية الدولية»، مضيفة أنه «ينبغي النظر إلى خط الأنابيب كخيار للاستفادة من إمدادات الغاز التي تقدمها شركة إيست ميد في الاتحاد الأوروبي بشحنه إليه بواسطة ناقلات على شكل غاز طبيعي مسال».

لكن تركيا تعارض المشروع، وقد وقعت اتفاقا مع ليبيا حددت من خلاله مناطق اقتصادية حصرية في البحر الأبيض المتوسط، وتحديدا في المناطق تحت الماء أين سيتم بناء خط أنابيب الغاز. وقال ساريس إن 168 دولة صادقت على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار للعام 1982، باستثناء تركيا التي تطالب بأجزاء كبيرة من البحر الأبيض المتوسط. وأضاف أن «تركيا هددت بحفر سبعة أميال قبالة جزيرة كريت اليونانية التي تضم أكثر من مليون شخص».

ونوه ساريس بأن اليونان ستضطر إلى الرد والدفاع عن سيادة مياهها وأراضيها، مضيفا أن تركيا استخدمت اتفاقها مع ليبيا لتبرير «خطابها العدواني». وأضاف إن المرء يحتاج فقط إلى «إلقاء نظرة على الخريطة لفهم أنه لا معنى له» وأن مذكرة التفاهم بين تركيا وليبيا «لاغية وباطلة». وشدد الدبلوماسي ساريس بالقول: «إن مثل هذه الحركات التوسعية في تركيا هي مشكلة أمنية كبرى تشترك فيها اليونان وإسرائيل وقبرص».

ويحذر دبلوماسيون غربيون من تصعيد جديد حال قامت تركيا بالتنقيب قرب كريت بشكل سيجبر اليونان على الرد، خصوصا أن مسؤولا تركيا اعترف بأن الهدف من صفقة ترسيم المياه البحرية مع حكومة الوفاق هو منع أي خط غاز في المتوسط. وانضمت الإمارات في مايو إلى اليونان ومصر وفرنسا وقبرص في تصعيدها، حيث شجبت النشاطات التركية واعتبرتها غير قانونية.

للاطلاع على العدد 244 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

ويرى مراقبون وفق جريدة «فاينانشال تايمز» البريطانية أن المنطقة قد تكون المسرح الأخير للعبة الوقود الأحفوري في وقت تواجه فيه دول الحوض احتياطات للطاقة، وأدت الكشوفات في السنوات الأخيرة لتحويل مشهد الطاقة بالمنطقة، وإلى خلق تحالفات بين دول المنطقة لم تكن لتحدث أبدا.

وتتعاون مصر وإسرائيل في مجال الغاز الطبيعي، فيما ترى اليونان وقبرص أن الغاز الطبيعي قد يساعدهما على التخلص من الوقود الملوث مثل الفحم. والهدف الأولي لعمليات التنقيب هو توفير الطاقة لدفع الاقتصاد المصري النامي، ولكن على المستوى البعيد يرى الخبراء إمكانية نقل الغاز إلى جنوب أوروبا وتخفيض اعتماد أوروبا على الغاز الروسي. ولكن تركيا اُستبعدت من التعاون نظرا لعلاقتها المتوترة مع عدد من اللاعبين في المنطقة، ولهذا فقد تعرقل هذه الطموحات.

وأخيرا أرسلت أنقرة البحرية التركية لملاحقة شركات النفط الدولية التي تحاول التنقيب بشرق المتوسط، بل وأرسلت شركاتها للحفر فيه. وما بدأ كنزاع بين تركيا وقبرص بات نزاعا يغذي اللعبة الإقليمية وأثار عدم ارتياح في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وكآخر نقطة ساخنة ليبيا التي وسعت فيها تركيا هذا العام من وجودها العسكري وقعت اتفاقية مع حكومة الوفاق الوطني تسمح لها بالتنقيب عن الغاز في مياهها الإقليمية.

المزيد من بوابة الوسط