كوفي عنان.. ابن الأمم المتحدة الذي تدرج في مناصبها

تولى كوفي عنان، الذي توفي السبت عن 80 عامًا، منصب أمين عام الأمم المتحدة خلال فترة انقسامات حالكة على خلفية حرب العراق وصدمة اعتداءات 11 سبتمبر 2001.

وعنان المولود في غانا، هو أول أمين عام للمنظمة من منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، وينسب إليه الفضل في تعزيز مكانة الأمم المتحدة خلال توليه الأمانة العامة لولايتين من يناير 1997 إلى ديسمبر 2006.

وطبع عنان، صاحب الشخصية الجذابة والخطيب الهادئ الطباع، في الأذهان صورة الأمين العام «النجم» للأمم المتحدة، وربما صورة القائد الأكثر شعبية للمنظمة الأممية.

لكن عهد هذا المسؤول، المؤتمن على مهمات حفظ السلام في العالم إثر توليه منصب مساعد الأمين العام لعمليات حفظ السلام، شهد فصلين من الأكثر سوداوية في تاريخ المنظمة: الإبادة الجماعية في رواندا وحرب البوسنة.

وقال عنان في خطاب ألقاه في 2001 لدى تسلمه جائزة «نوبل - للسلام»: «سعيت لجعل الإنسان محور كل ما نقوم به، من منع نشوب النزاعات إلى تعزيز حقوق الإنسان».

حينها، وفي وقت كان العالم يرزح تحت وطأة اعتداءات 11 سبتمبر تم تكريم عنان والمنظمة «للجهود المبذولة من أجل عالم أكثر سلمية وأكثر تنظيمًا».


ترقٍ داخل المنظمة
عنان هو الأمين العام السابع للأمم المتحدة، عمل بتفانٍ على مدى أربعة عقود في المنظمة الأممية، وهو أول مَن تولى هذا المنصب بعد أن ترقى داخل أروقة المنظمة.

وبعد أن تولى إدارة الموارد البشرية في المنظمة، ومن ثم مكتب الموازنة فيها، تم تعيينه مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات حفظ السلام إلى أن عُـيِّن أمينًا عامًّا للأمم المتحدة لولاية من أربع سنوات.

ومؤخرًا عاد عنان إلى الساحة الدبلوماسية بترؤسه لجنة استشارية حول الأزمة في ولاية راخين في بورما.

وطالب عنان الحكومة البورمية بمنح الجنسية لأقلية الروهينغا المسلمة. وشهدت الولاية فرار أكثر من 700 ألف من الروهينغا هربًا من حملة قمع شنها الجيش البورمي العام الماضي.

وأنشأ مؤسسة تحمل اسمه تعنى بتسوية النزاعات، كما انضم إلى مجموعة «الحكماء» التي تضم شخصيات دولية تولي اهتمامًا بالقضايا الدولية.

إخفاق الأمم المتحدة
كتب عنان في سيرته الذاتية بعنوان «تدخلات: حياة خلال الحرب والسلم»، يطرح فيه أن الأمم المتحدة علىيها أن تكون منظمة في خدمة الشعوب وليس فقط الدول، ويرى فيها «منتدى لمحاسبة الحكومات في تعاملها مع شعوبها».

ويشير عنان في كتابه إلى أن «فشل الأمم المتحدة في الوفاء بتعهداتها في رواندا والبوسنة حدد الخطوط العريضة للمهام الملقاة على عاتقه كأمين عام للأمم المتحدة».

وانسحبت قوة حفظ السلام «القبعات الزرق» من رواندا في 1994 خلال اضطرابات دامية. وفي سريبرينيتسا لم تتمكن المنظمة من حماية «المنطقة الآمنة» التي أقامتها عندما قتلت قوات من صرب البوسنة آلاف المسلمين من الرجال والأطفال.

وأضاف في سيرته الذاتية أن هذين الإخفاقين «شكلا أكبر تحدٍ لي كأمين عام للأمم المتحدة: إيجاد تفاهم جديد حول شرعية التدخل من أجل التصدي لانتهاكات كبرى لحقوق الإنسان وضرورته».

نجم دبلوماسي
لكن على الرغم من نكستي رواندا وسريبرينيتسا اللتين ألقتا بظلالهما على ولايته كمساعد للأمين العام لعمليات حفظ السلام، تمكن عنان من الفوز بسهولة بمنصب الأمين العام للمنظمة.

وسرعان ما احتل شاشات التلفزة وتصدر اسمه عناوين الصحف، كما تسابقت المنظمات لدعوته إلى مناسباتها وحفلاتها وغالبًا ما وُصف بأنه نجم دبلوماسي.

ويدين عنان في توليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة إلى اعتراض الولايات المتحدة على تجديد ولاية الأمين العام المصري بطرس بطرس غالي، لكنه أثبت مرارًا استقلاليته عن القوى الكبرى.

وأثار عنان غضب الولايات المتحدة عندما قال إن اجتياح العراق في 2003 «غير شرعي» لأنه لم يحظَ بدعم مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

واُتُّهم عنان لاحقًا بالفساد في فضيحة النفط مقابل الغذاء في العراق، وكانت تلك إحدى أصعب الأزمات التي شهدتها ولايته، واعتبر البعض أن عنان دفع ثمن تلك التصريحات بعد أن فُتح تحقيق بحقه وبحق نجله في 2005.

وبرأت لجنة تحقيق عنان من التهم الأساسية الموجهة إليه، لكنها أشارت إلى وجود أخطاء أخلاقية وإدارية مرتبطة بعلاقة نجله كوجو مع شركة سويسرية فازت بعقود لبيع النفط مقابل الغذاء، وأقر عنان لاحقًا بأن الفضيحة كانت بمثابة اختبار له ليس فقط كأمين عام للأمم المتحدة، بل أيضًا كأب.

من غانا إلى جنيف
وُلد عنان في كوماسي عاصمة منطقة أشانتي في غانا، لوالد يعمل مديرًا لـ«أفريقيا المتحدة» وهي شركة تجارية أوروبية، تابعة لمجموعة «يونيليفر» البريطانية الهولندية.

ويصف عنان في سيرته الذاتية مرحلة النضج والحركة الاستقلالية في غانا بأنها حقبة «تغيير شامل في الثقافة والمجتمع».

وارتاد عنان مدرسة داخلية بعمر 13 عامًا، كما حصَّل تعليمه الأكاديمي في جامعة كوماسي قبل أن يحصل على منحة للدراسة في الولايات المتحدة، ودرس علوم الاقتصاد في كلية مكاليستر في مينيسوتا، والإدارة في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، كذلك التحق عنان بالمعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف.

وفي 1965 تزوج عنان من تيتي ألاكيجا المولودة لأسرة نيجيرية ميسورة. ورزقا بابنة «أما» وبابن «كوجو»، لكنهما انفصلا أواخر سبعينات القرن الماضي.

وتزوج عنان ثانية في 1984 من السويدية ناني لاغرغرين التي تعمل محامية في الأمم المتحدة، وهي حفيدة راوول فالنبرغ، وريث إمبراطورية فالنبرغ الصناعية والمالية، ورزقا بابنة سمياها «نينا».

وبعد انتهاء ولايته الثانية كأمين عام للأمم المتحدة أدى عنان أدوار وساطة في كينيا وسورية وحقق نجاحًا نسبيًّا بإنهاء أزمة أعقبت الانتخابات في كينيا في 2007، لكنه استقال من مهمة السلام في سورية.

واشتكى عنان من الانقسامات بين الدول الكبرى داخل مجلس الأمن، التي جعلت عمله كمبعوث إلى سورية «مهمة مستحيلة».

المزيد من بوابة الوسط