«فرانس برس»: نقمة اللبنانيين تزداد على المصارف.. والفراغ السياسي مستمر

مع تعثّر تشكيل حكومة وازدياد حدّة الأزمة الاقتصادية والمالية، تزداد نقمة اللبنانيين على الطبقة السياسية والمصارف التي تشهد يوميا إشكالات مع المودعين الراغبين بالحصول على أموالهم في خضم أزمة سيولة حادة تنذر بتصعيد الاحتجاجات، ولليوم الثاني على التوالي، اندلعت مواجهات مساء بين المتظاهرين والقوى الأمنية في بيروت.

وتظاهر المئات في منطقة كورنيش المزرعة أمام ثكنة للقوى الأمنية أوقف فيها أكثر من 50 شخصا ممن تم اعتقالهم خلال مواجهات بين المتظاهرين وعناصر مكافحة الشغب ليل الثلاثاء أمام المصرف المركزي، وقطع المتظاهرون الطريق أمام الثكنة، وهتفوا مطالبين بإطلاق الموقوفين وضد المصرف المركزي والسلطة الحاكمة، قبل أن تندلع مواجهات بينهم وبين القوى الأمنية التي استخدمت الغاز المسيل للدموع.

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام عن سقوط قنابل مسيلة للدموع داخل السفارة الروسية المحاذية لمنطقة الاشتباكات، وبعد ساعات من المواجهات، أفرجت القوى الأمنية عند منتصف ليل الأربعاء الخميس عن عشرة أشخاص من موقوفي مساء الثلاثاء، وفق ما أفاد الإعلام المحلي وناشطون.

وخلال مواجهات الأربعاء، اعتقلت القوى الأمنية المزيد من المتظاهرين، وفق ما شاهد مصور لـ«فرانس برس» وقال محام عن المتظاهرين لوسائل إعلام أنه جرى اعتقال 17 شخصا، وأعلن الصليب الأحمر عن إسعاف عشرة أشخاص في المكان ونقل 37 آخرين إلى مستشفيات قريبة.

وتظاهر العشرات في وقت سابق الأربعاء أمام مصرف لبنان في شارح الحمراء التجاري، حيث فرضت القوى الأمنية إجراءات مشددة، قبل أن ينضموا إلى المعتصمين أمام الثكنة، وهتف المتظاهرون «يا لبناني أتفضّل شرِف حتى نسّقط حكم المصرف» و«لا ليرة ولا دولار، سلامة فلّس لبنان»، في إشارة إلى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي يحمله متظاهرون جزءا من مسؤولية التدهور المالي الحاصل إلى جانب المسؤولين السياسيين الذين يطالبون منذ ثلاثة أشهر برحيلهم.

ويأتي ذلك غداة مواجهات عنيفة استمرت خمس ساعات على الأقل ليل الثلاثاء بين المحتجين وقوى الأمن، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع بكثافة، وكسر المتظاهرون ليل الثلاثاء الواجهات الزجاجية الصلبة مستخدمين أعمدة إشارات السير التي اقتلعوها من مكانها وقساطل حديد ومطافئ الحريق. كما حطموا أجهزة الصراف الآلي ورشوها بالطلاء الأحمر وكتبوا على الجدران شعارات مناوئة للمصارف بينها «يسقط حكم المصرف».

وأسفرت المواجهات ليل الثلاثاء عن إصابة العشرات من مدنيين وعسكريين، وخلال مشاركتها في التظاهرة الأربعاء، قالت يمنى مروة (22 عاما) لوكالة «فرانس برس» ما حصل أمس من «تكسير لواجهات المصارف يأتي من وجع وغضب حقيقي لدى الناس»، وتظاهر العشرات أيضا الأربعاء في مناطق عدة، بينها مدينة طرابلس (شمال) والنبطية وصور (جنوب) كما قطعوا طرقا رئيسية عدة.

غضب الناس
ودان مسؤولون لبنانيون أعمال الشغب ليلاً. وطالب رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري في بيانين منفصلين بمعاقبة المسؤولين عن الاعتداءات على المصارف، معتبرين أن ما جرى «غير مقبول»، في حين وصفته جمعية المصارف بـ«العمل الهمجي».

ودافع الحريري عن سلامة الذي التقاه ليلاً، وقال لصحفيين: «لديه حصانة ولا أحد يستطيع عزله»، وفق ما نقلت الوكالة الوطنية للإعلام، وصباح الأربعاء، انهمك عمال التنظيف، وفق ما شاهد مراسلو «فرانس برس»، في إزالة زجاج المصارف المتناثر أرضا، بينما انصرف عمال صيانة إلى كسر واجهات متصدعة، لاستبدال أخرى جديدة بها أو بألواح معدنية وإصلاح الأضرار.

وقالت عليا بعد خروجها من أحد المصارف لـ«فرانس برس» إن «التكسير ليس مقبولاً، لكنني أتفهم غضب الناس الذين باتوا متعبين جدا، وعلي أن أحضر مرتين إلى المصرف أسبوعياً لأسحب 200 دولار»، ومنذ أسابيع، ينتظر المودعون لساعات داخل قاعات المصارف لسحب مبلغ محدود من حساباتهم الشخصية بالدولار، بعدما حددت المصارف سقفاً لا يلامس الألف دولار شهرياً، كما فرضت أخيرا قيودا على سحب الليرة اللبنانية.

وتشهد المصارف بشكل شبه يومي إشكالات بين الزبائن الذين يريدون الحصول على أموالهم وموظفي المصارف العاجزين عن تلبية رغباتهم. كما لم يعد ممكنا تحويل مبالغ مالية إلى الخارج إلا في حالات محددة، وفيما لا يزال سعر الصرف الرسمي مثبتا على 1507 ليرات مقابل الدولار، لامس الدولار عتبة 2500 ليرة في السوق الموازية، التي ظهرت في الصيف للمرة الأولى منذ أكثر من عقدين.

وفي لبنان، يتم استخدام الدولار والعملة المحلية في عمليات الدفع اليومية، إلا أن الحصول على الدولار بات مهمة صعبة منذ أشهر، ويتهم المتظاهرون المصارف بالتواطؤ مع الصرافين والتلاعب بسعر الصرف.

لوموا أنفسكم
ومنذ 17 أكتوبر، خرج مئات الآلاف من اللبنانيين إلى الشوارع والساحات وقطعوا الطرق احتجاجا على أداء الطبقة السياسية، التي يتهمها المتظاهرون بالفساد ويحملونها مسؤولية تدهور الوضع الاقتصادي وعجزها عن تأهيل المرافق وتحسين الخدمات العامة الأساسية.

وتسبّبت الاحتجاجات باستقالة رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري، ومن ثم تكليف حسان دياب تشكيل حكومة إنقاذية، تعهّد أن تكون مصغرة ومن التكنوقراط، قبل أن يتحدّث الجمعة عن «ضغوط» يتعرض لها. واصطدم أخيرا بدعوة كتل سياسية دعمت تكليفه إلى تشكيل حكومة تكنوسياسية.

ويطالب المتظاهرون بتشكيل حكومة في أسرع وقت ممكن تضع خطة إنقاذ للاقتصاد المتداعي. وخسر عشرات آلاف اللبنانيين وظائفهم أو جزءا من رواتبهم جراء أسوأ أزمة اقتصادية في البلاد في تاريخها الحديث، بينما ارتفع الدين العام إلى نحو تسعين مليار دولار، أي ما يعادل أكثر من 150% من إجمالي الناتج المحلي.

وانتقد المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش في تغريدة الأربعاء أداء السياسيين الذين «يتفرجون على انهيار الاقتصاد» على وقع «تصاعد الاحتجاجات الغاضبة»، وخاطبهم بالقول «أيها السياسيون، لا تلوموا الناس، بل لوموا أنفسكم على هذه الفوضى الخطيرة».

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط