زعيمة الباروني .. عربية الهوى ليبية الهوية أمازيغية الانتماء

بالحديث عن الأدب النسائي الليبي وتاريخه وبدايته، يجدر بنا عدم إغفال الإشارة إلى حياة رائدة حقيقية ذات نظرة تقدُّمية في ما يخص حرية المرأة وتعليمها وتثقيفها، ومناضلة سياسية ساهمت في حفظ جزء من التاريخ الليبي من خلال وثائق والدها، وهي زعيمة الباروني ابنة سليمان باشا الباروني، التي كانت ترى، على الرغم من وجود الأصوات الرافضة لفكرة وجود أقلام نسائية ليبية.

أنَّ وجهة نظرها أنَّ الواقع عكس ذلك، لأنَّ من وجهة نظرها الإبداع أو الخلق الإبداعي يبدأ بالتدريج إلى أنْ يأخذ مكانته اللائقة، وهكذا أدبنا، وعدم الاعتراف بوجود أدب نسائي من شأنه أنْ يحطِّم آمال الطبقة الناشئة من الكاتبات ويغلق الأبواب أمامهن، ولا يجب أنْ نقارن أدبنا بأدب البلدان التي سبقتنا، والمفروض أنْ نبني على ماضينا إلى أنْ يخرج لنا إنتاجٌ طيبٌ.

نشأتها
وُلدت زعيمة الباروني في جادو إحدى قرى جبل نفوسة سنة 1910م، وتلقت دراستها الابتدائية باللغة التركية في اسطنبول، حيث تعلمت هناك القراءة والكتابة، حيث نشأت في أسرة تهتم بالعلم، وعاشت مع والدها سنوات طويلة في المهجر استطاعت خلالها أنْ تتلقى قدرًا من التعليم المنظَّم، وقد وجدت، بالإضافة إلى ذلك، مكتبة والدها الغنية بكل أنواع المعارف.

فقرأت واستوعبت وتفتَّحت موهبتها وسط مناخ علمي لم يكن متاحًا لغيرها من النساء في بلادها، استكملت دراستها باللغة العربية بعد العودة من تركيا إلى ليبيا، رجعت مع والدها الى ليبيا في العام 1947، حيث استقرَّ بها المقام في طرابلس بعد وفاة والدها العام 1940، في العام 1950 عُـيِّنت مدرسة بالمرحلة الابتدائية، لمدارس البنات في طرابلس، لتتدرج في السلم الوظيفي لتعمل مفتشة ثم رئيسة مكتب محو الأمية.

رائدة الأدب النسائي
ولعل دخول السيدة زعيمة الباروني ميدان الكتابة والنشر من العلامات البارزة التي سجَّلتها فترة الخمسينات، فقد أطل العام 1955 ليمنح المشهد الثقافي الليبي إنتاجًا أدبيًّا نسائيًّا هو الأول من نوعه.

نشرت في فبراير من نفس العام قصة «فزان البعيد»، وتوالت قصص السيدة زعيمة في مجلات وجرائد ليبية متنوعة منها «صوت المربي» وجريدة «طرابلس الغرب»، كما نشرت نتاجها الأدبي مجلة «هنا طرابلس الغرب»، ومجلة «الأفكار» ويعتبر كتابها «من القصص القومي» في سنة 1958 أول تجربة قصصية نسائية، رغم اختلاف آراء النقاد فيما بعد واعتبارها تفتقر للمقومات الأساسية في كتابة القصة.

بالكلمة أعلنت عن ذاتها
إسهامات كانت غزيرة ومتعدِّدة، كتبت المقالة الصحفية والاجتماعية، وهي أحيانًا تخوض معركة من معارك الكلمة أو تنبه إلى قضية من القضايا وبين الفينة والأخرى كانت تعرج على الأدب فتكتب قصة أو خاطرة أدبية تظل مشحونة بكل همومها وإحساسها بوطأة الظروف القاسية التي كان يعيشها الإنسان في وطنها.

كما ساهمت الباروني في إثراء المكتبة الليبية بمجموعة من الكتب منها كتاب «صفحات خالدة من الجهاد الليبي للمجاهد سليمان الباروني»، جمع وترتيب زعيمة سليمان الباروني، وديوان «السيف الوقاد» تأليف إبراهيم بن قيس الحضرمي تحقيق زعيمة الباروني، وهو كتاب يتحدَّث عن مفاخر العروبة والإسلام، أيضًا من ضمن مؤلفاتها كتاب بعنوان «أبي الذي عرفته».

هكذا تحدثن عنها
كتبت عنها الأديبة، شريفة القيادي، في دراستها التوثيقية للكتابة النسائية الليبية قائلة «رحلة القلم النسائي الليبي»، وأشارت إلى أنَّ السيدة زعيمة حاولت إحياء الشخصية الليبية بكل أبعادها، فالكاتبة تتوقَّف عند كثير من التفاصيل في وصف الأزياء والعادات والتقاليد الليبية، حتى وإنْ أساء ذلك للناحية الفنية في بعض الأحيان.

أما الأديبة لطفية القبائلي في مقابلة معها في مجلة «البيت» في العام 1969، فقالت: «نصيحتي لهؤلاء الشباب أنْ يستفيدوا من كنوز الأدب القديم ويفهموا ويطبِّقوا ويجربوا» وهنا كانت تقصد أدب زعيمة الباروني.

أيضًا كانت من العضوات المؤسِّسات لجمعية «النهضة النسائية» في طرابلس سنة 1958م، حيث شاركت من خلالها في مؤتمرات خارج ليبيا تهتم بقضايا المرأة، منها مؤتمر المرأة الأفرو آسيوية في القاهرة سنة 1960م، برفقة السيدة حميدة العنيزي رئيسة جمعية «النهضة النسائية» في بنغازي.

كانت الباروني تكتب قصصها وتوقِّع بـ «بنت الوطن».

توفيت يوم الاثنين 10 مايو 1976م، حيث نعتها الأديبة لطفية القبائلي في مجلة «البيت» الصادرة سنة 1976 قائلة:
«لوعنا بنبأ وفاة المربية والأديبة زعيمة الباروني، أول مَن حمل القلم من النساء في بلادي، أول مَن تصدَّرت مطبوعاتها المكتبة الليبية كمؤلِّفة وأديبة ومؤرِّخة، إنَّها الابنة البارة، المرأة الوقورة دائمًا، المتدينة دائمًا، أتخيلها بصوتها الخافت حتى ليصل إلى الهمس، أتخيلها الآن وهي تنصحنا في ساحة المدرسة».

المزيد من بوابة الوسط