ضغوط متزايدة على الحكومة اللبنانية إثر تجدد المواجهات في بيروت

أشخاص يسيرون في ساحة الشهداء التي تشهد احتجاجات منذ انفجار مرفأ بيروت. (رويترز)

تواجه الحكومة اللبنانية، برئاسة حسان دياب، ضغوطًا متزايدة، لا سيما بعد استقالة وزيرة الإعلام منها بعد انفجار مرفأ بيروت، وتجددت المواجهات، مساء اليوم الأحد، بين محتجين غاضبين والقوى الأمنية اللبنانية في اليوم الثاني من التظاهرات، التي رفعت شعار «محاسبة الطبقة السياسية»، بحسب «فرانس برس».

وشارك 15 رئيس دولة وحكومة في مؤتمر نظمته فرنسا، التي زار رئيسها إيمانويل ماكرون بيروت الخميس الماضي، عبر الفيديو بهدف مساعدة لبنان، كان في مقدمتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيسا وزراء إيطاليا وإسبانيا.

وأسفر انفجار مرفأ بيروت، الثلاثاء الماضي، عن تدمير المرفأ وإحداث دمار هائل في محيطه، كما تسبب في مقتل 158 شخصًا وإصابة أكثر من ستة آلاف آخرين، وتحدثت وزارة الصحة عن وجود 21 مفقودًا.

وبعد أيام من العمل المتواصل، أعلن الجيش اللبناني، اليوم الأحد، أن الأمل بات ضئيلاً بالعثور على أحياء تحت أنقاض المرفأ المدمر، بحسب «فرانس برس».

استقالة وزيرة الإعلام
وقدمت وزيرة الإعلام، منال عبدالصمد، استقالتها من الحكومة لتكون أول عضو في مجلس الوزراء يقدم على تلك الخطوة بعد الانفجار، إذ كان وزير الخارجية السابق ناصيف حتي استقال قبيل وقوع المأساة.

وقالت عبدالصمد، في كلمة بثتها وسائل إعلام محلية، «بعد هول كارثة بيروت، أتقدم باستقالتي من الحكومة، متمنية لوطننا الحبيب لبنان استعادة عافيته في أسرع وقت ممكن».

ونقلت «فرانس برس» عن وسائل إعلام محلية توجه عدد من الوزراء، بينهم وزيرا الاقتصاد والبيئة للاستقالة، لكن رئيس الحكومة حسان دياب الذي اجتمع معهم نجح بإقناعهم بالتريث.

ودعا البطريرك الماروني بشارة الراعي، اليوم الأحد، الحكومة التي قال إنها «باتت عاجزة عن النهوض بالبلاد» إلى الاستقالة. كما استقال منذ الأربعاء سبعة نواب من البرلمان، بحسب «فرانس برس».

جلسات مفتوحة للمجلس النيابي
لكن رئيس مجلس النواب، نبيه بري، أعلن جلسات مفتوحة للمجلس النيابي ابتداءً من الخميس «لمناقشة الحكومة عن الجريمة المتمادية التي لحقت بالعاصمة والشعب وتجاهلها».

وعلى وقع التحركات الغاضبة في الشارع، دعا دياب أمس السبت إلى إجراء انتخابات نيابية مبكرة. وأمهل الأطراف السياسية مدة «شهرين حتى يتفقوا».

وقالت «فرانس برس» إنه وبينما كان اللبنانيون يتابعون بعجز الانهيار الاقتصادي المتسارع في بلدهم ويعيشون تبعات الوضع الهش، الذي أُضيف إليه تفشي «كوفيد-19»، أتى انفجار مرفأ بيروت ليشكل «أكبر كوارث اللبنانيين».

انفجار مرفأ بيروت يعيد اللبنانيين إلى الشارع
ومنذ 17 أكتوبر، نزل مئات الآلاف إلى الشوارع ناقمين على الطبقة السياسية التي يتهمونها بالفساد ويحمّلونها مسؤولية الأزمات المتلاحقة التي أنهكتهم. واستقالت حكومة سعد الحريري على وقع غضب الشارع. إلا أن وتيرة التحركات تراجعت تدريجيًّا بعد تشكيل حكومة دياب، ومن ثم انتشار وباء «كوفيد-19»، قبل أن يعيد انفجار مرفأ بيروت اللبنانيين إلى الشارع.

وعلى جدار مطل على مرفأ بيروت، كتب أحدهم بخط عريض «حكومتي قامت بذلك». فيما توافد المئات اليوم إلى وسط بيروت بعد دعوات حملت شعارات «علقوا المشانق لأن غضبنا لا ينتهي بيوم واحد».

وقالت تمار (23 عامًا) لـ«فرانس برس»: «صديقتي شاركت في تظاهرات 17أكتوبر.. ونحن صديقاتها الثلاث ذهبنا أمس إلى قبرها»، بعدما قُتلت في المطعم الذي تعمل فيه في منطقة الجميزة جراء الانفجار.

وتضيف: «دفنا صديقتنا وأتينا إلى بيروت نصرخ مطالبين بالحرية والعدالة لمَن ماتوا»، معتبرة أن استقالة الوزراء «لا تكفي، يجب محاسبة مَن وضع المتفجرات.. نريد محكمة دولية تخبرنا مَن قتلها».

متظاهرون يرشقون القوى الأمنية بالحجارة
وتجددت المواجهات، بين المحتجين الغاضبين والقوى الأمنية. وعند المدخل المؤدي إلى مقر البرلمان، رشق عشرات المتظاهرين القوى الأمنية بالحجارة والمفرقعات النارية، وحاولوا إزالة الحواجز الحديدية، وردت القوى الأمنية باستخدام الغاز المسيل للدموع بكثافة، وذلك غداة مواجهات عنيفة أوقعت عشرات الجرحى من الطرفين، بحسب «فرانس برس».

ويطالب المتظاهرون بمعاقبة المسؤولين عن الانفجار ورحيل الطبقة السياسية واستقالة الحكومة الحالية، التي تشكلت بداية العام الحالي من اختصاصيين سمتهم «أحزاب سياسية».

ولا يفرق المتظاهرون بين الأحزاب الموالية للحكومة أو المعارضة لها، إذ أنهم ينتمون بالنسبة لهم إلى الطبقة السياسية ذاتها التي تتحكم بالبلاد منذ عقود. ورددوا شعارات عدّة بينها «الشعب يريد إسقاط النظام» و«انتقام انتقام حتى يسقط النظام» و«كلهم يعني كلهم» في إشارة إلى الطبقة السياسية برمتها.

واقتحم عشرات المحتجين، السبت، وزارات عدة بينها الخارجية والاقتصاد والطاقة، ومقر جمعية المصارف، قبل أن تخرجهم القوى الأمنية والجيش، وأسفرت مواجهات أمس عن إصابة 65 شخصًا جرى نقلهم إلى المستشفيات، وفق حصيلة لـ«الصليب الأحمر» اللبناني.

توافق دولي على مساعدات مباشرة وشفافة للبنان
وأثار الانفجار تعاطفًا دوليًّا معع لبنان الذي زاره مسؤولون غربيون وعرب تباعًا وتتدفق المساعدات الخارجية إليه. في وقت دعا فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بداية المؤتمر الدولي للمانحين إلى «التحرك سريعًا وبفعالية» لضمان وصول المساعدات «مباشرة» إلى الشعب، وحض السلطات للاستجابة «للتطلعات التي يعبر عنها الشعب اللبناني حاليًا بشكل مشروع في شوارع بيروت».

وقال ممثلو ثلاثين بلدًا بينهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الفرنسي في بيان صدر في ختام المؤتم: «إن المشاركين توافقوا على وجوب أن تكون مساعدتهم (...) منسقة في شكل جيد برعاية الأمم المتحدة، على أن تقدم مباشرة إلى الشعب اللبناني مع أكبر قدر من الفاعلية والشفافية».

وحض ترامب الحكومة اللبنانية على إجراء تحقيق «كامل وشفاف» في انفجار مرفأ بيروت، بحسب بيان للبيت الأبيض عن مشاركته في المؤتمر الدولي لمساعدة لبنان. قال فيه إن ترامب دعا إلى الهدوء في لبنان مع إقراره بـ«مشروعية الدعوات التي أطلقها المتظاهرون السلميون إلى الشفافية والإصلاحات وتحمل المسؤوليات».

وتتواصل في مرفأ بيروت ومحيطه، عمليات رفع الركام والبحث عن أشلاء الضحايا. وأعلن قائد فوج الهندسة في الجيش اللبناني، العقيد روجيه خوري، في مؤتمر صحفي: «من الممكن أن نقول إننا انتهينا من المرحلة الأولى وهي مرحلة إمكان العثور على أحياء». وأضاف: «باستطاعتنا القول إن الأمل ضعف في إمكان العثور على أحياء».

وتقول السلطات اللبنانية، إن الانفجار نجم عن حريق في مستودع خُزّن فيه 2750 طنًّا من مادة نيترات الأمونيوم المصادرة من إحدى السفن منذ العام 2013 من دون اتخاذ إجراءات الحماية اللازمة.

انفجار مرفأ بيروت خلف حفرة بعمق 43 مترًا
وقال مصدر أمني لـ«فرانس برس»، اليوم الأحد، إن «خبراء التفجير الفرنسيين اكتشفوا أن انفجار المرفأ خلف حفرة بعمق 43 مترًا».

وأوقفت السلطات أكثر من عشرين شخصًا على ذمّة التحقيق، بينهم مسؤولون في المرفأ والجمارك ومهندسون. وقال مصدر قضائي لـ«فرانس برس» إنه سيتم أيضًا استجواب كبار قادة الأجهزة الأمنية في المرفأ.