إيران الـ«لا شريك» المُتعِب

سمير السعداوي |
سمير السعداوي

ليست تلك المرة الاولى التي تُستبعد إيران من حملة تقودها الولايات المتحدة في المنطقة. حصل ذلك في العراق وقبله افغانستان، واستطاعت طهران التعايش مع الأمر، لا بل ان البعض يعتبر انها استثمرت غيابها وحولته الى حضور قوي وفاعل.

استوعبت ايران الغزو الاميركي لافغانستان غداة هجمات «11 أيلول»، وكانت تمكنت قبل ذلك من التعايش مع نظام «طالبان» الذي بسط سيطرته على افغانستان في 1995 وصولاً الى الحدود المترامية الاطراف بين البلدين، وذلك على رغم «الفوارق الايديولوجية» المفترضة بين النظام الايراني و «الامارة الاسلامية» التي اعلنتها الحركة الافغانية المتحالفة مع تنظيم «القاعدة»، لا بل وصل الامر الى بروز شكوك في تقديم الجانب الايراني تسهيلات لأتباع أسامة بن لادن الفارين من التحالف الدولي في افغانستان آنذاك.

تكرر الامر في العراق عام 2003 وكانت النتيجة هيمنة النفوذ الايراني على نصف البلاد بعد سقوط صدام حسين.

وبغض النظر عن «نظرية المؤامرة» القائلة انه لطالما كان هناك تعاون «سري» او «ضمني» بين واشنطن وطهران، فإن القيادة الايرانية لطالما لجأت الى تبرير عدم مشاركتها في تلك الحملات، بعدم استعدادها للدخول في تحالفات تقودها الولايات المتحدة.

ومنذ بروز «داعش» في العراق، تنامت التكهنات بـ «حتمية» دخول طهران على خط الحملة ضد هذا التنظيم. وفي الواقع، حصلت ثلاثة اجتماعات بين الجانبين الايراني والاميركي تناولت التنسيق في هذا الشأن، اضافة الی اجتماعين في جنيف علی مستوی نائبي وزيري خارجية البلدين، الاميركي وليام بيرنز والايراني عباس عراقجي.

ولأن موضوع «النووي الايراني» هو «الحاضر الغائب» في كل اللقاءات، فإن طهران أكدت دائماً حرصها على عدم الدخول في أي تعاون اقليمي مع الغرب، ما لم تحسم قضية المفاوضات النووية، بازالة العقوبات الاقتصادية اولاً.

كما نقل المسؤولون الايرانيون الى محاوريهم الاميركيين، استعداد طهران للبحث في الملف السوري بعد التوصل الى اتفاق نووي.

في المقابل، لم تبد ايران معارضة للمشاركة في اجتماع باريس، ربما لاعتقادها بأنه سيختلف عن المشروع الذي طرحه الرئيس الاميركي باراك اوباما. لكنها في كل الاحوال سربت عبر قنواتها انها، وعلى رغم عدم مشاركتها، فهي لن تعمل ضد الحملة لضرب التنظيم في العراق، وهو تطمين يحتاج الى ضمانات.

وبمعزل عن أي تفاهم علني أو سري، فان مما لا شك فيه ان الجانب الايراني يأمل بأن يكون «المستفيد الاكبر» من الحرب على «داعش»، مُستحضراً تجربتي ازاحة «طالبان» وصدام. والأخطر، وجود قناعة لدى الايرانيين بأن إضعاف «داعش» يصب بلا شك في مصلحة الرئيس بشار الأسد.

ويوحي رفض اميركا اشراك الجانب الايراني في اجتماع باريس، بأنها أدركت حجم التباين في المواقف مع طهران، وهو تباين في المنطلقات والاستنتاجات والاهداف، يضاف اليه سعي ايران الى الاحتفاظ بـ «قصب السبق» حتى قبل ان تبدأ الحملة.

واذا كان لا بد من حديث عن تعاون وتفاهم ضمنيين في المنطقة، فالاحرى الاشارة الى تقارب موقفي ايران وتركيا المترددة في المشاركة بالحملة، لعدم اقتناعها بجدوى خطط اوباما تنفيذ ضربات جوية ... وأسباب أخرى.

بذلك، لم يعد صعباً، توقع عودة المفاوضات بين واشنطن وطهران الى نقطة الصفر في كل الملفات الشائكة العالقة، في ضوء استراتيجية «تلازم المسارات» التي تحرص القيادة الايرانية على التمسك بها.

(عن صحيفة الحياه اللندنية)

 

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات