بعد مرور نحو شهر على اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، وما خلفته من تحديات وأزمات كبيرة ألقت بظلالها على العالم، نستنتج من خلال قراءة متأنية أن الحقيقة الدامغة هي أن الحروب لا تُقاس في لحظتها أو أثناء اشتعالها، ولا يمكن التنبؤ بمساراتها أو نهاياتها. فقد تبدأ بقرارات وأهداف واضحة، لكنها سرعان ما تفتح أبوابًا لاحتمالات كثيرة لا يملك أحد القدرة على ضبطها أو تأطيرها بالكامل.
والتاريخ شاهد على ذلك، فحرب الثلاثين عامًا بدأت في إطار محدود ثم تمددت وتحولت إلى صراع أوسع غير وجه أوروبا. وكذلك الحروب النابليونية، التي بدت في بداياتها امتدادًا لطموح سياسي وعسكري، لكنها انتهت بإعادة تشكيل التوازنات في القارة الأوروبية بأكملها. كما الحرب العالمية الأولى، التي انطلقت من أزمة إقليمية قبل أن تتحول إلى حرب شاملة، والحرب العالمية الثانية التي بدأت في أوروبا قبل أن تمتد عالميًا. وفي العصر الحديث، تظهر تجارب الحرب السوفيتية في أفغانستان، ثم التدخل الأمريكي فيها وحرب العراق. إن البدايات العسكرية الواضحة لا تعني بالضرورة نهايات محسومة أو نتائج يمكن توقعها بدقة.
وفي هذا السياق، فإن من المبكر جدًا الحديث عن انتصار نهائي لأي طرف في هذه المرحلة. فالحكم الحقيقي لا يكون أثناء اشتعال الحروب، بل بعد أن تتوقف وتُقاس نتائجها الفعلية وانعكاساتها وتأثيرها على جميع الأطراف. كما أن طبيعة الأطراف المنخرطة، واتساع جغرافيا العمليات، واحتمال دخول أطراف أخرى بشكل مباشر أو غير مباشر، كلها عوامل تجعل المشهد مفتوحًا على كل الاحتمالات.
وفي السياسة، لا شيء يبقى ثابتًا طويلًا؛ فموازين القوى وحدها قادرة أحيانًا على تغيير المواقف، بل وإعادة تشكيل التحالفات في لحظات لم تكن متوقعة. وما هو مرجح وبقدر كبير من الواقعية أن الشرق الأوسط والعالم لن يكونا كما كانا قبل هذه الحرب.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات