في تسعينيات القرن الماضي كنت في مدينة البيضاء، في ضيافة أحد المعلمين الكبار، أعني الراحل «عبدالعاطي خنفر». أحد الشعراء الشعبيين الكبار وأحد المثقفين الوطنيين الذين عرفتهم في السجن وفتحوا عيوني وقلبي على التراث الليبي خاصة الشعر الشعبي، الذي لم يكن يشكل شيئاً ذا بال في معرفتي، كان خنفر وكل سجناء خطاب زواره مثقفين وطنيين حقيقيين، شغلوا عقولهم المستنيرة بالثقافة في ليبيا، بتاريخها وآدابها ونضالات أهلها عبر التاريخ.
كان الشعر الشعبي الليبي والحكاية الشعبية والأمثال، ثم الأدب الليبي الحديث، كان التاريخ والتركيبة السكانية والاستعمار، كان كل ما يخص ليبيا شاغلهم وموضوع كتاباتهم السجنية ونقاشاتهم العميقة الرصينة، كنت صغيراً وقليل المعارف والخبرة وكنت أدخل «مدرسة القابعين» في المعتقل، تلك المدرسة التي فتحت عيوني على ليبيا، ليس النظام والشتائم السياسية بل ليبيا الكيان والتاريخ والثقافة.
عبدالعاطي خنفر أو «غاندي» كما أسماه «صالح الدعيكي» وكما ظهر في «رواية طريق جهنم» سيرة المناضل الكبير «علي العكرمي» كان عارفاً ومرجعاً في الشعر الشعبي الليبي، وكان يلم بخارطته وتواريخه، وكل ذلك بسماحة وتواضع جم.
في البيضاء وعلى قمم الجبل الأخضر وبعد المعتقل، كان يقودني عبر تاريخ الثقافة الشعبية المبهرة، تلك التي ظلت مهمشة وربما ملغية من قاموس ثقافتنا الحديثة، لم نكن قد التفتنا لما تكتنزه من معارف بالإنسان والجغرافيا والكون، كنا نراها ثقافة إذعان وخرافة، بل إننا لم نعرف من الشعر الشعبي مثلاً إلا تلك المطولات المزعجة وحتى المقرفة تمجيداً للحاكم وللقبيلة.
بعد السجن وفي الجبل الأخضر، كان «عبدالعاطي خنفر» قد أظهر لي ذلك الوجه الآخر للشعر الشعبي، ذلك الصوت الرافض للقمع والتجويع والفاشية الوطنية، مراسلاته الشعرية من داخل السجن مع شعراء أجدابيا، أشعار الهجاء السياسي وملاحم مقاومة تجريف الهوية الوطنية، خيانة الشعراء والتكسب بالشعر، قصائد وملاحم من المقاومة ظل يكتبها الشعر الشعبي مؤرخاً ومقاوماً عبر عصورنا الشاقة المضنية، منذ خوازيق الترك وحتى آخر مشنقة.
في الجبل الأخضر كان «عبدالعاطي خنفر» يرسم لي «بانوراما عمر المختار» تلك الخلفية الثقافية المقاومة التي أنتجت المختار وبورحيل وعشرات المقاومين، والتي لم ينقطع تدفقها ولن ينقطع.
«خنفر» كان يرى في «محمد الشلطامي» أحد هؤلاء الشعراء الشعبيين وإن تدفق بالفصحى، كان بالنسبة لخنفر وريث «رجب بوحويش»، ويستدل بقصيدته الشعبية التي كتبها الشلطامي شعراً شعبياً «ما بي مرض غير عقلي شقابا، وطن النقابا، من يومن طغوا فيه ما حق صابا». ويرى أن انتشار أشعار الشلطامي وشعبيتها الكبيرة جاءت إثر تدفقها من هذا النبع.
سائق سيارة «المازدا القلع» كما يسميها سكان الجبل الأخضر، الرجل الخمسيني بلحيته المهملة ومعرفته البيضاء، الودود في هدوئه، المهموم بخبز أطفاله، وريث أسلاف عانوا معتقلات الطليان، والذي كان يحملنا بتلك «المازدا» المتهالكة إلى «جرجار أمه» مغامراً بها وهي مصدر رزقه إلى منطقة رملية وعرة لا تدخلها إلا سيارات الدفع الرباعي، كرماً يستحقه المعلم خنفر، كما يقول بود وتبجيل، لينكمش المعلم خجلاً وتواضعاً كما هو في كل الأوقات.
المازدا، وما إن دخلنا المنطقة الوعرة وتحت نغز ركاب سائقها الذي تحول إلى فارس خبير وعنيد، تحولت إلى «جواد» يندفع مزمجراً كما فعل أسلافه في مواجهة الغزاة.
حين وصلنا، ترجل الفارس ونظر إلى الجبل والبحر من ورائه مردداً بيت عمر المختار الواحد «ما كيف الجبل كيف»، وأكمل المعلم خنفر «لولا أخباث السهاري».
هناك في «جرجار أمه» حيث يتداخل الجبل والبحر قادنا خنفر إلى مدينة غمرها البحر والرمال، مدينة أثرية لا يظهر منها إلا بعض الآثار، لا أعرف عنها شيئاً، لم أسمع ولم أقرأ عنها، تراث مخبأ يطويه الجبل تحت درقته، ينكمش على نفسه خائفاً من التجريف والمحو.
قلت يبدو الأثر مطموساً وخائفاً.
في كهف بجرجار أمه تدفق سائق المازدا شعراً، كان من أولئك الشعراء، ورثة ذلك الإرث المقاوم بقصيدته التي اشتهرت في كل البلاد «عايش مع مية غرام كرامه، خايف عليهن م الدهر وأيامه». وكان المعلم «عبدالعاطي خنفر، غاندي» في المعتقلات الليبية يهز رأسه طرباً.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات