الجسور المنهارة
بينما تتجمع حاملات الطائرات والبوارج العسكرية الأميركية حول السواحل الإيرانية، كما تتجمع أسماك القرش الأبيض قرب الشواطئ، لا ندري على وجه الدقة ماذا سيحدث.
هل ستعود إيران إلى البراغماتية الفارسية فتنحني للعاصفة، أم تعود إلى الفقيه الشيعي الذي يستدعي استشهاد الحسين في كربلاء؟ أو على الأقل، هذا ما صرّح به نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، عندما رفض تسليم سلاح حزبه في أغسطس الماضي، قائلًا: «إن معركتنا معركة كربلائية».
كما لا نعرف إن كان ترامب ينوي تغيير النظام بالكامل، أم الاكتفاء بإجباره على التخلي عن السلاح النووي والصواريخ الباليستية، وأذرعه في اليمن ولبنان والعراق. ولا نعرف أيضًا إن كان هناك ضابط في الجيش، أو حتى في الحرس الثوري، يستطيع لَمَّ شتات البلاد بعد سقوط المرشد في معركته الكربلائية المفترضة.
وفي كل الأحوال، ستتأثر الدول العربية، القريبة والبعيدة من إيران، سلبًا وإيجابًا، وفقًا لمصالح الأطراف المحلية والإقليمية. وفي كل الأحوال أيضًا، فإن إيران باقية، بغضّ النظر عن أيديولوجيتها الحاكمة. وسواء كانت قوية أو ضعيفة، فإن على العرب إصلاح الجسور بينهم وبين إيران، وتهميش الخلاف المذهبي والقومي إلى أدنى مستوياته، ومخاطبتها بلغة المصالح، فالمشترك بين العرب وإيران أكثر بكثير من المختلف بينهم.
في عام 1978، عندما كنت أتعلم اللغة الإنجليزية في مدينة إكستر الإنجليزية، كان معنا مجموعة من الطلبة الإيرانيين والأفغان. وخلال التعارف سألني أحد الإيرانيين عن اسمي، فقلت له: عمر. فسأله زميله الإيراني الآخر بالفارسية: ماذا قال؟ فرد عليه قائلًا: يقول إن اسمه «حمار»، نطقها بوضوح كما ينطقها العرب. فأمسكت بخناقه، وسارع الأفغان والليبيون الموجودون بيننا إلى التدخل، واعتذر زملاؤه الإيرانيون لاحقًا.
فيما بعد، عرفت أن أسماء عمر وأبي بكر وعثمان ومعاوية ويزيد وعائشة لا تُستخدم في إيران، بينما تُستخدم بقية الأسماء العربية على نطاق واسع. وعرفت أيضًا أن الفرس يكرهون عمر بن الخطاب، ربما أكثر من معاوية ويزيد، لأن في عهده أخضع المسلمون بلاد فارس وأسقطوا الإمبراطورية الساسانية.
ولا نجد هذه الكراهية على مستوى العوام فقط، بل أيضًا بين كبار كتّابهم وشعرائهم. فأبو القاسم الفردوسي، صاحب ملحمة «الشاهنامة» (كتاب الملوك)، كتبها باللغة الفارسية خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين. وفيها يقول:
«العرب شرّابو لبن الإبل وآكلو الضباب، بلغ بهم الأمر أن يطمعوا في تاج الملك، تبا لك أيها الزمن وسحقًا».
عاش الفردوسي في زمن الدولة الغزنوية، ساعيًا إلى إحياء القومية الفارسية، فكتب هذه الملحمة الطويلة التي بلغت ستين ألف بيت، واستغرق تأليفها أكثر من ثلاثين عامًا. واستحضر فيها ملوك فارس الأخمينيين والبارثيين والساسانيين. ولأن الجرح النرجسي كان لا يزال قريبًا في تلك الفترة، تعمّد التهجم على العرب، لأن على أيديهم انهار الكيان الفارسي. ويبرر بعض المثقفين الإيرانيين ذلك بأن الفردوسي كان يقصد الأعراب، الذين وصفهم القرآن بأنهم «أشد كفرًا ونفاقًا».
لكن في عام 2011، ألقى شاعر إيراني يُدعى مصطفى بادكوبه قصيدة من على منبر حكومي، خاطب فيها الله قائلًا:
«خذني إلى أسفل السافلين أيها الإله العربي، شريطة ألا أجد عربيًا هناك. أنا لست بحاجة إلى جنة الفردوس، فجَنّة الحور العين والغلمان هدية للعرب».
وبادكوبه خريج الحوزة العلمية في مدينة قم، أي إنه يجيد اللغة العربية، وكان بإمكانه أن يكون جسرًا للتواصل بين الثقافتين، لكنه اختار دورًا آخر، هو التحريض على عرب الخليج، وخصوصًا السعوديين. بل طالب في قصيدة أخرى بالامتناع عن الحج إلى السعودية، قائلًا: «إذا كنت إنسانًا إيرانيَّ الأصل، عليك أن تترك الحج».
ومن الواضح أن بادكوبه يتبع الجهاز الأيديولوجي للنظام الإيراني، وهو لا يُقارن بالفردوسي من حيث القيمة الشعرية. كما أن العرب، في ذروة عصرهم الذهبي، لم يمنعوا الشعراء من أصل فارسي من التهكم على الأعراب، ومن ذلك ما كتبه بشار بن برد حين اعتزّ بأصله الفارسي، وما قاله أبو نواس:
«قل لمن يبكي على رسمٍ دَرَس
واقفًا ما ضرّ لو كان جلس
اترك الربع وسلمى جانبًا
واصطبح كرخيةً مثل القبس».
ولا أعتقد أن الإيرانيين يصنفون أبا نواس وبشار بن برد شعراء إيرانيين، بل يعدّونهما شعراء عربًا لأنهما كتبا بالعربية. واللغة العربية هي سر قوة الثقافة العربية. فالعرب لا يعانون من الجرح النرجسي الفارسي؛ إذ فقدوا كيانهم السياسي منذ أن حكمهم الفرس والترك والمماليك، ثم الاستعمار الأوروبي، بينما نجت إيران وتركيا من هذا الاستعمار، فحافظتا على الحد الأدنى من كيانهما. في المقابل، تشظّى الكيان العربي إلى اثنتين وعشرين دولة، لا يجمعها سوى مقبرة الجامعة العربية.
ويبدو أن العربي موطنه لسانه لا أرضه. فأعظم شعراء العربية، أبو الطيب المتنبي، عندما زار شعب بَوّان في إيران، سحره جمال الوادي فقال:
«مغاني الشعب طيبًا في المغاني
بمنزلة الربيع من الزمان
ولكن الفتى العربي فيها
غريب الوجه واليد واللسان
ملاعب جنة لو سار فيها
سليمان لسار بترجمان».
فالعربي وطنه في لسانه لا في مكانه. ولو نقلنا المتنبي من هذا الوادي الساحر إلى مكان قفرٍ قاحل، كما حدث عندما هرب من مصر ومن كافور الإخشيدي، لقال مخاطبًا رفيقيه:
«ذراني والفلاة بلا دليل
ووجهي والهجير بلا لثام
فإني أستريح بذي وهذا
وأتعب بالإناخة والمقام».
ولا تجوز المقارنة بين الشعر العربي والشعر الفارسي، فالشعر منذ البداية هو ديوان العرب. غير أن الفرس برعوا في السرد قبل العرب، من خلال «كليلة ودمنة» لعبد الله بن المقفع الفارسي، و«ألف ليلة وليلة»، و«مقامات» بديع الزمان الهمذاني، العربي المولود في مدينة همدان الإيرانية، إضافة إلى أبي محمد القاسم الحريري البصري.
من كل ما سبق، يتبيّن أن هناك مشتركات تجمع بين الإيرانيين والعرب والترك أكثر بكثير مما يفرقهم. وهؤلاء هم من سيبقون في الشرق الأوسط، سواء كان شرقًا جديدًا أو قديمًا، شريطة أن يخرج الفرس من مظلوميتهم التاريخية، ويتجاوزوا جراحهم النرجسية، وأن يتوقف الترك عن نزعة التوسع ووهم استعادة الخلافة. فليس أمام هذه الشعوب إلا مدّ الجسور وبناء مجتمعات خالية من الاستبداد، وقبول حقوق الأقليات التي تعيش بينها، وجعل المصلحة المشتركة أساسًا للتعاون. عندها فقط ستنهض المنطقة نهضة سريعة، وتفرض شروطها على المسرح الدولي. أما إسرائيل، فاتركوها تتعفن من داخلها، فهي تحمل بذور فنائها.
وكان هذا الخيار مطروحًا منذ بداية الثورة الإيرانية؛ فقد اقترح هاشمي رفسنجاني، ومحمد منتظري، ومحمد خاتمي، بناء نموذج يُحتذى به لاحقًا، بينما قرر المحافظون تصدير الثورة وتثوير الشيعة في البلدان العربية. وهكذا تحطمت الجسور مبكرًا، منذ أن اجتاح الجيش العراقي أراضي إيران عام 1980، في قراءة غبية من نظام صدام حسين، ما أدى إلى إلغاء خيار الإصلاحيين لصالح المحافظين.
في تقديري، ستنكمش إيران على نفسها، وستتجه شرقًا أكثر مما تتجه غربًا. فالثروة التي أنفقتها على صناعة القنبلة الذرية كفيلة بتمويل تحديث إيران وتحويلها إلى نمر آسيوي؛ فهي تملك كل شيء، إلا النظام الديمقراطي والحرية، شأنها في ذلك شأن العالم العربي. وهذا ما يدركه الشباب الإيراني، الذين لم يجدوا أمامهم سوى الحصار والعقوبات. وحتى لو صنعت إيران القنبلة الموعودة، فماذا ستفعل بها؟ ستكون مثل قنابل وصواريخ كوريا الشمالية.
ولا تستطيع شعوب المنطقة، وهي منفصلة، إحداث نقلة حضارية، وإنما يمكنها ذلك مجتمعة إذا تجاوزت خلافاتها، وهي خلافات ليست وجودية، بخلاف خلافات شعوب المنطقة مع إسرائيل. فتركيا، مثلًا، حاولت الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي دون جدوى، كما حاولت إيران ذلك منذ عهد رضا شاه بهلوي، الذي قرر عام 1935 تغيير اسم البلاد من «بلاد فارس» إلى «إيران». وكلمة إيران تعني «بلاد الآريين»، أي إن الفرس ــ في تصوره ــ مثل الألمان، كما أن اللغة الفارسية تُصنَّف لغةً هندو-أوروبية.
وبسبب تأثره بمصطفى كمال في تركيا، حاول رضا شاه تغيير الأبجدية من الحرف العربي إلى اللاتيني، لكنه لم ينجح، وأطلق حملة لمنع استخدام اللغة العربية. وانتشرت آنذاك لافتات كُتب عليها بالحرف العربي: «استخدام زيبان عربي ممنوع»، أي إن منع استخدام اللغة العربية استلزم استخدام ثلاث كلمات عربية وكلمة فارسية واحدة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات