أول معرض للرسم الكاريكاتيري حضرته كان في الستينيات من القرن الماضي. وهو بالمناسبة، وحسب علمي، أول معرض أقامه فنان الكاريكاتير العالمي المرحوم محمد الزواوي، وأقيم في المكتبة العامة، التي كانت موجودة في ميدان الشهداء، قبل أن تهدم تلك البناية المقابلة للسراي الحمراء، ونقطة الشرطة العسكرية سابقًا. كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها المرحوم الفنان الزواوي، وكذلك رئيس الوزراء الأسبق المرحوم عبدالحميد البكوش الذي جاء لافتتاح المعرض وقصّ الشريط.
كنت في سن المراهقة تقريباً. كان المرحوم الفنان الزواوي في استقباله مع عدد من الأشخاص لا أعرفهم. وكان المرحوم عبدالحميد البكوش قد حضر في كامل أناقته، يمسك بيد اليسري غليوناً. كان أول رئيس وزراء ليبي أراه عن قرب. حضوري في الحقيقة جاء صدفة. إذ كنت أتردد على تلك المكتبة بانتظام. كان الوقت صيفاً، ووصلتها تلك المرة ليس بغرض حضور المعرض بل بهدف قراءة الصحف والمجلات كما كنت أفعل، ووجدت جمعاً من الناس يقف أمامها في انتظار وصول رئيس الحكومة.
المعرض الثاني كان خلال شهر فبراير 2024 للفنانين خيري الشريف وعبدالحليم القماطي في قاعة دار الفنون بطرابلس. المعرض كان من أعداد وإشراف صحيفة بوابة الوسط. رئيس التحرير الصديق بشير زعبيه اختار الأستاذ الناقد والكاتب أمين مازن ليقوم بافتتاحه. تلك كانت لفتة وفاء كريمة منه نحو كاتب وناقد وطني بارز في الساحة الثقافية والصحفية الليبية في مرحلة ما بعد الاستقلال وحتى يوم الناس هذا. أطال الله في عمره ومتّعه بالصحة.
المعرض الثالث كان يوم السبت 24 يناير 2026 وهو معرض الفنان العجيلي العبيدي المعنون (مسامير) بدار الفنون بطرابلس، تحت رعاية وإشراف مطبعة ودار نشر أسيل. زيارتي الحالية إلى طرابلس تزامنت مع معرض الصديق الفنان العجيلي العبيدي. هذه المرة لم يحضر مسؤول عن وزارة الثقافة أو عن الحكومة، ولم يقم أحد بافتتاح المعرض. في الموعد المحدد فتحت الصالة أمام جمهور الحاضرين. وفي الحقيقة لم أكن أتوقع حضور من يمثل رئيس الحكومة، أو مسؤول من وزارة الثقافة نيابة عن وزيرة غير مرئية، وفي حالة غياب متواصل عن متابعة أي نشاط ثقافي في البلاد.
العجيلي العبيدي رسام كاريكاتير موهوب ومتمرس وذكي: موهبة فنية لافتة صقلها الوعي والالتصاق بهموم الناس ليس في ليبيا فقط بل في منطقتنا العربية والعالم. سخريتة مثل وخز المسامير مؤلمة بابتسامة، أحياناً تدعو للبكاء أكثر منها للضحك. كل اللوحات المعروضة مرسومة بالحبر الأسود، وموزعة بأناقة يشكر عليها المنظمون في دار الفنون.
وأنا أغادر قاعة العرض، مخلّفاً ورائي الصخب الهادئ لجمهور المثقفين أمام حدة «مسامير» العجيلي العبيدي، داهمتني فكرة غريبة؛ أن فن الكاريكاتير في بلادنا يتطور على نحو يدعو للإعجاب والفرح على أيدي فنانين موهوبين ملتصقين بهموم أبناء وطنهم ويحرصون على السير أمامهم ليكون مرشدين وأدلاء يضيئون الطريق في العتمة، ويفتحون نوافذ الأمل على نهار أجمل وحياة أفضل.
في الستينيات من القرن الماضي، كان المسؤول برتبة رئيس حكومة يحضر ليرى صورته في مرآة فن الكاريكاتير، واليوم يغيب المسؤول ربما لأنه يخشى أن يرى حقيقته في خطوط الحبر الأسود، وخوفاً من وخز المسامير.
لقد أثبت معرض الفنان العجيلي العبيدي، ومن قبله خيري الشريف وعبدالحليم القماطي والمرحوم محمد الزواوي وغيرهم، أن الريشة في ليبيا حاضرة لا تغيب ولا تستقيل. وإن خلو الكراسي والصالات الفنية والأدبية، في محافل الثقافة والفنّ والجمال من المسؤولين، لا يلغي حقيقة أن تلك القاعات والصالات كانت ولا تزال تستقطب اهتمام الناس، وستبقى تضج بالنقاشات وبالحياة، طالما أن هناك من يغمس ريشته وقلمه في أوجاع الناس، ويحول السواد في حيواتهم إلى فن جميل يوسع مدارك العقول ويفتح نوافذ القلوب على الحياة، وعصيٍّ على النسيان.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات