عانت الفنون في ليبيا وعبر سنوات طويلة التهميش والنسيان، وظل الفنان الليبي كيانا بلا فعالية، ظل مجمدا وملقى على باب مقبرة في انتظار الدفن، كان المسرح والسينما والفنون التشكيلية والشعبية والموسيقى قد تحولت إلى ما يشبه خزنة لما لا قيمة له من أغراضنا، قد نفتحه من حين لآخر لنخرج منه بعض مقتنياتنا المعدومة القيمة والزائدة عن الحاجة، ربما لنثبت أننا أمة ولنا فنون ككل الشعوب أحيانا، أو لنعترف بأننا كنا على ضلال حين أنتجنا كل هذا العبث واللامعنى.
هذا التهميش والنسيان ظلا يسودان مراحل تاريخنا الوطني، منذ أن تشكلنا ككيان حديث وحتى الآن، فعلى الرغم من وجود الثقافة كمكون وركن من أركان دولتنا إلا أنها ظلت الركن المنسي الذي لا ينال من مخططات وميزانيات التأسيس والتنمية شيئا يذكر، فلم تدخل البنية التحتية للثقافة في خطط البناء إلا ما ندر منذ الاستقلال وحتى الآن، واقتصر عملنا الثقافي على التظاهرات والأعراس التي تطرأ وتقام بارتجال وعبث لتبدو لهو عابثين.
الفنون صارت ألعابا نارية نستوردها لنطلقها مفرقعة في سماء أعراسنا الوطنية، تبهرنا ليلة، لتنطفئ حتى عرس جديد، فلا حركة مسرحية منتظمة ومنتجة ولا موسيقى وفنون شعبية ولا إنتاج فنون تشكيلية ولا سينما، كلها تخضع لمواسم الأعراس الطارئة والموقتة.
لا مسارح ودور سينما إلا ما بناه الطليان ودمرناه، ولا متاحف للفنون ولا مقرات للفرق، إنها أكوام من ركام الإرث الإيطالي، ذلك الإرث الذي وعكس غالبية البلدان التي كانت محتلة والتي حافظت على ما تركه الاستعمار من بنية تحتية وسخرتها لنهضة أمتها بعد الاستقلال، قمنا بتحويل أو هدم ما ورثنا من أبنية ومنشآت ثقافية لتتصحر مدننا وقرانا ثقافيا.
كان مشروعنا الثقافي الوطني مشروع تصحر، أشبه بعاصفة «قبلي» اجتاحت المسارح والمتاحف وآلات الموسيقى والمطابع والكتب، كان مشروع «زومبي» قتيل قاتل.
كان مشروع انغلاق على الذات وضد أي انفتاح على ثقافات وفنون العالم، كان الزومبي الثقافي يضرب مدمرا كل أنواع الفنون فارضا ثقافة القبر وفنون الدفن.
كانت الدولة الليبية ومنذ الاستقلال قد أعطت للثقافة حصة هامشية وصغيرة من اقتصاد الكفاف الذي تكونت عليه، وأسست بإمكانات بسيطة وعلى هامش مشروع التأسيس بعض المؤسسات الثقافية الصغيرة وحافظت على ما ورثت من الطليان من بنية تحتية ولكن ذلك لم ينمُ ولم يتطور، بل ظل جنينيا وهشا، ليتعرض للتدمير دون بناء البديل.
لم تصل الثقافة في ليبيا عقد ثمانينيات القرن الماضي إلا وقد تصحر كل ما فيها، فكتبنا وإن كتبناها فلا مطابع إلا في مصر أو لبنان، والأغاني وإن لحناها فلا استديوهات إلا في مصر، ولا مسارح نقيم عليها مواسم مسرحية، إننا أشبه بقبيلة من الغجر تقيم خيمة للفنون لليلة واحدة ثم تفك أوتادها وترحل.
هذا الميراث الفوضوي المؤقت والرحال جعل كل فنوننا فنون هواة فقراء، تحكمهم مواسم الأعراس الوطنية العجولة والطارئة، فلا تيار يمكن أن يتشكل وينمو ولا حركة تنمو، بل سكون، لنظل وإن بلغنا السبعين من التجربة صغارا مجهولين.
الهيئة العامة للمسرح والفنون والتي ورثت كل هذا الإرث الثقيل، يبذل العاملون بها جهودا كبيرة لاستعادة وصيانة ما تبقى من منشآت ثقافية مدمرة وقد حققوا نجاحات لافتة في هذا، استعادوا بعض المسارح ودور العرض وجرت صيانة وتشغيل بعضها، وتحصلت فرقة المسرح الوطني بطرابلس على مقر بعد رحلة عقود من المقرات المؤجرة والموقتة وأيضا جرى إحياء فرقة الفنون الشعبية، كما جرى إحياء معهد جمال الدين الميلادي للمسرح والموسيقى، وكذلك إحياء مهرجان المالوف والمسرح ومهرجان الأغنية.
أهم ما تقدمه تجربة هذه الهيئة هو أن بإمكاننا أن نحيي ونؤسس على أرض الواقع وليس بيانات وخطبا، أن ننجز على الرغم من كل الظروف الصعبة، فقط عندما تتوافر النوايا والإرادة وعندما يقود العمل والفريق العامل معه أبناء المهنة وأصحاب المشاريع الحقيقية، ولكن يظل السؤال قائما هل سنحافظ ونواصل ما أنجزنا أم أنها موسم مهدد بعواصف القبلي وثقافة الزومبي؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات