الدولة البقرة وعقدة الضحية
سقراط: بينما كنتُ أتأمل في أزقتكم، رأيتُ مشهداً عجيباً يختصر كل تناقضاتكم؛ رأيتكم تشتكون بصراخٍ عالٍ من تكدس القمامة في الشوارع، ثم تمارسون رياضة رمي الفضلات من نوافذ بيوتكم وسياراتكم بأيديكم! وتلعنون السيستم والفساد في المقاهي، بينما أنتم أول من يرفع هاتفه باحثاً عن واسطة لسرقة دور غيركم في طابور المصرف أو المستشفى. أخبرني يا ليبوس، هل الدولة عندكم هي كائن فضائي هبط من المريخ ليعبث بجمال مدنكم، أم أنها مجرد انعكاسٍ صادق لصوركم في المرآة؟
ليبوس: يا سقراط، أنت تُحمّل المواطن البسيط ما لا طاقة له به! الدولة هي الأم الحنون، وهي المسؤولة قانوناً وأخلاقاً عن طعامنا، ومسكننا، وتنظيف قذاراتنا. نحن ضحايا النهب المنظم يا سقراط؛ ثرواتنا تضيع، والخدمات تنهار، فكيف تطلب مني الانضباط والراعي غائبٌ أو منشغلٌ بنفسه؟
سقراط (يضحك بمرارة ويشير إلى معصم ليبوس): يا لك من ضحية تثير الشفقة والضحك معاً! تدّعي المسكنة وأنت تلبس ساعة ايفون أو تركب مركبةً فارهة اشتريتها بمال المرابحة أو بقراراتٍ مشبوهة. أنتم يا ليبوس، تتعاملون مع الوطن كأنه بقرة حلوب مشاع؛ تتزاحمون على حلبها حتى يجف ضرعها وتنزف دماً، ثم تصرخون بعويلٍ نكِد لأنها لا تعطيكم حليباً طازجاً!
أخبرني، إذا كان كل واحد منكم يختلس ساعةً من عمله، ويتهرب من دفع فاتورة كهربائه، ويخرب الممتلكات العامة لأنها رزق حكومة، فمن أين ستأتي الدولة التي تحلمون بها؟
ليبوس: نحن نفعل ذلك لأننا لا نشعر بالعدالة. لو عدل الحاكم، لاستقامت الرعية.
سقراط: هذا هو الهروب الكبير! المشكلة يا ليبوس ليست فيمن يحكمكم فحسب، بل في أن كل واحد منكم يحمل في داخله مشروع دكتاتور صغير؛ يحكم مملكته الخاصة (بيته أو مكتبه) بنفس العقلية التي ينتقدها. أنتم في الحقيقة لا تكرهون الظلم كمبدأ أخلاقي، بل تكرهون موقعكم من الظلم؛ تكرهون أنكم لا تملكون السُّلطة الكافية لتمارسوه أنتم أيضاً!
تريدون دولة تنظف الشارع، لكنكم لا تريدون مواطناً يضع القمامة في السلة. تريدون قانوناً يحميكم من الآخرين، لكنكم تبحثون عن ثغرة تحميكم من القانون حين تخطئون. أليس من العبث أن تطلبوا من البقرة أن تعيش، وأنتم تطعنونها في قلبها كل يوم بسكاكين الأنانية؟
شهادات الحشو وتديّن المظاهر
سقراط: أخبرني يا ليبوس، في أسواقكم، لفت انتباهي مشهد يثير التساؤل؛ تهرعون لإغلاق محلاتكم بمجرد سماع الأذان، وتصطفون في المحاريب بخشوعٍ ظاهر، لكنكم بمجرد خروجكم من الجامع، تعودون لتلك المحلات لتغشوا في الميزان، وتبيعوا الوهم في أكياسٍ منمقة.
ثم زرت جامعاتكم وهي تزدحم بآلاف الشبان الذين يجهدون أنفسهم لا لطلب الحكمة، بل للحصول على ورقة تسمونها شهادة. أخبرني بصدق، هل العلم عندكم هو مجرد حشوٍ عشوائي للرؤوس، تماماً كما تحشون العصبان ليلة العيد؛ بكمية هائلة من المكونات المختلطة بلا نظام، فقط لتبدو سمينة وأكثر إغراءً؟
ليبوس: يا سقراط، أنت لا تفهم سيكولوجيا المجتمع! الشهادة في بلادنا هي صكّ الغفران الاجتماعي؛ واللقب (دكتور، مهندس، أو أستاذ) هو المفتاح السحري الذي يفتح الأبواب المؤصدة، ويمنح صاحبه هيبةً أمام العوام والخواص. أما التدين، فهو الستار الجميل الذي نتجمل به أمام الناس لكيلا نكون نشازاً في مجتمعٍ محافظ. نحن نحب المظاهر لأنها اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع هنا.
سقراط (يهز رأسه بأسى): إذن أنتم تبنون هياكل بلا أرواح، وتنشئون حضارةً من الورق المقوى! إنكم تصنعون جيلاً من الببغاوات التي تتقن الترديد ولا تدرك الفهم، وتخزن المعلومات في الذاكرة لتفرغها في ورقة الامتحان ثم تعود عقولاً قاحلة. تعبدون المظهر في كل شيء؛ في الثوب، واللقب، والسجود، بينما تذبحون الجوهر على مقصلة الجشع والادعاء.
ألا ترى يا ليبوس أنكم تعالجون جراح وطنكم النازفة بالمكياج والزينة، بينما الجرح العفن يحتاج إلى تطهيرٍ مؤلم وكيٍّ بنار الحقيقة؟ هل تظن حقاً أن الخالق يخدعه السجود الطويل، بينما عباده يُظلمون بجشعكم في الأسواق، ويُسحقون تحت أقدام أنانيتكم؟
أرني طبيباً واحداً من أصحاب هذه الألقاب يضع إنسانيته قبل جيبه، أو معلماً يغرس القيم قبل النصوص.. عندها فقط سأصدق أن الحشو الذي في رؤوسكم هو علمٌ حقيقي وليس مجرد معدنوس فكري يغطي خواء النفوس. إن مجتمعاً يقدس الدال قبل الاسم هو مجتمعٌ يطارد السراب ويترك النبع خلف ظهره.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات