Atwasat

ليبيا المعلَّقة

فرج أبوخروبة الخميس 06 نوفمبر 2025, 07:04 مساء
فرج أبوخروبة

في ليبيا، لا شيء يشبه الدولة سوى اسمها. وطن يتنفس على إيقاع الانقسام، ويتحرك في فراغ سياسي لا قاع له، ويعيش على حافة الاحتمالات المفتوحة. بعد أكثر من عقد على سقوط النظام السابق، لم تنجح النخب السياسية ولا القوى الفاعلة في إنتاج مشروع وطني جامع، بل أنتجت سلطات متوازية، ومؤسسات متنازعة، وواقعًا هشًّا تتقاسمه الميليشيات، وتديره الحسابات الإقليمية والدولية.

العاصمة طرابلس، التي يُفترض أن تكون مركز القرار السيادي، تحولت إلى ساحة نفوذ تتقاسمها جماعات مسلحة، لا تخضع لأي سلطة مدنية فعلية. الحكومة القائمة هناك، رغم الاعتراف الدولي، لا تملك السيطرة الكاملة على الأرض، بل تتعايش مع واقع مفروض من قبل تشكيلات عسكرية وأمنية تتنازع النفوذ، وتعيد رسم خريطة القوة وفق مصالحها. المواطن في طرابلس لا يشعر بوجود الدولة، بل بسطوة الميليشيا، حيث الأمن هش، والقرار موزع، والسيادة مجزأة.

في المقابل، تشهد مناطق الشرق والجنوب الليبي حراكًا عمرانيًا متصاعدًا، يعكس ديناميكية مختلفة عن تلك التي تعيشها العاصمة. مدن مثل سبها وبنغازي وسرت وطبرق ودرنة بدأت تشهد مشاريع بنية تحتية، وتحسينات في الخدمات، رغم محدودية الموارد. هذا الحراك لا يعني بالضرورة وجود استقرار سياسي، لكنه يعكس إرادة محلية في تجاوز حالة الجمود، ومحاولة ترميم ما يمكن ترميمه من مؤسسات الدولة، في ظل غياب المركز، وتخلي الحكومات المتعاقبة عن مسؤولياتها تجاه هذه المناطق.

الانقسام السياسي بين حكومتين متنافرتين، واحدة في الغرب برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى في الشرق برئاسة أسامة حماد، يعكس مأزقًا عميقًا في بنية الدولة الليبية. كل طرف يدعي الشرعية، وكل طرف يرفض الآخر، بينما المواطن الليبي يُترك في المنتصف، بلا خدمات، بلا أمن، وبلا أفق. مجلسا النواب والدولة، اللذان يُفترض أن يكونا ركيزتين للعملية السياسية، تحولا إلى أدوات تفاوض على السلطة، لا إلى مؤسسات تشريعية تُنتج حلولًا. البعثة الأممية، من جهتها، تكتفي بإدارة الأزمة، لا بتفكيكها، وتبدو عاجزة عن فرض خارطة طريق واضحة، في ظل تباين المصالح الدولية، وتضارب الأجندات الإقليمية.

الانتخابات، التي كان يُفترض أن تكون بوابة الخروج من الأزمة، تحولت إلى ورقة تفاوض، لا إلى استحقاق شعبي. قوانينها تُفصّل على مقاس الطموحات الشخصية، وتُعطّل كلما اقتربت من التنفيذ، في مشهد يُعيد إنتاج الأزمة بدل حلّها. لا أحد من الأطراف المتصارعة يريد انتخابات تنهي نفوذه، أو تعيد تشكيل المشهد خارج حساباته. وهكذا، يُترك الشعب الليبي رهينة لطبقة سياسية لا تؤمن بالتداول السلمي، ولا ترى في الديمقراطية سوى أداة مؤقتة للتمكين.

اقتصاديًا، تعاني ليبيا من اختناقات حادة، رغم امتلاكها لثروات نفطية هائلة. الفساد الإداري، وغياب الرقابة، وتعدد مراكز القرار، كلها عوامل ساهمت في تآكل الاقتصاد، وتراجع الخدمات الأساسية. المواطن الليبي يواجه يوميًا تحديات في الكهرباء، والصحة، والتعليم، وسط غياب رؤية اقتصادية واضحة، وغياب العدالة في توزيع الموارد. الجنوب الليبي، الذي يُفترض أن يكون ركيزة للاقتصاد الوطني، يُهمّش بشكل ممنهج، وتُنهب موارده دون أن تنعكس على حياة سكانه، في مشهد يُكرّس منطق المركزية المريضة، ويُعمّق من الشعور بالغبن.

أمنيًا، لا تزال الميليشيات المسلحة تمثل التهديد الأكبر لبناء الدولة. فهي تملك السلاح، وتفرض القرار، وتعيد تشكيل التحالفات وفق مصالحها. لا توجد مؤسسة أمنية موحدة، بل أجهزة متنازعة، بعضها يتبع الحكومة، وبعضها يتبع أمراء الحرب. الاستقرار الأمني لا يُقاس بعدد الاشتباكات، بل بغياب الدولة عن المشهد الأمني. فحين يكون السلاح هو الحَكم، تغيب العدالة، ويُختطف القانون، ويُصبح المواطن رهينة لتوازنات هشة، لا تضمن له الأمان، ولا تحمي حقوقه.

في ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى مشروع وطني جامع، يُعيد تعريف معنى الدولة، ويُعيد الاعتبار للمواطنة، ويُحيّد منطق السلاح، ويُؤسس لمرحلة انتقالية تُبنى على التوافق، لا على الإقصاء. ليبيا لا تحتاج إلى وساطة دولية بقدر ما تحتاج إلى إرادة وطنية صادقة، تُعيد بناء الداخل على أساس الشراكة، لا على أساس الغلبة. لا يمكن بناء دولة في ظل وجود حكومتين، ولا يمكن إجراء انتخابات في ظل غياب الثقة، ولا يمكن الحديث عن مصالحة وطنية دون الاعتراف بالآخر، ودون تجاوز منطق الانتقام.

ليبيا ليست مجرد جغرافيا ممزقة، بل وطنٌ يبحث عن ذاته وسط ركام السياسة، وعبث السلاح، وتآكل الثقة. إن لم تتشكل إرادة وطنية حقيقية، تُعيد الاعتبار للدولة، وتُخرج القرار من قبضة الميليشيا، وتُعيد توزيع الثروة بعدالة، فإن البلاد ستظل تدور في حلقة مفرغة، تُعيد إنتاج أزماتها، وتُعمّق من جراحها.

الخروج من هذا النفق لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى شجاعة سياسية، وصدق مع الذات، واعتراف بأن الوطن أكبر من الجميع. ليبيا لا ينقصها الرجال، ولا الثروات، بل ينقصها مشروع وطني لا يُقصي أحدًا، ولا يُقدّس أحدًا، بل يُعيد بناء الدولة على قاعدة المواطنة، لا على قاعدة الغنيمة. حينها فقط، يمكن أن نبدأ الحديث عن مستقبل، لا عن أزمة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»