ماذا لو نظمت النيابة العامة يوما مفتوحا لـ«متلازمة داون»؟ هل سيُقصي هذا وزارة الصحة أو الشؤون الاجتماعية؟ وهل وزارة الثقافة محصورة في معرض كتاب فقط؟ ماذا عن تنظيم وزارة الداخلية ورشا عن المخدرات والعنف الأسري، على الرغم من أن أصلها في اختصاص الصحة والتعليم؟ وماذا عما تقوم به البنوك المركزية عبر العالم من ندوات عن الذكاء الاصطناعي، وهي المسؤولة حصرا عن السياسة النقدية؟
لماذا ينظم الجيش الأمريكي أياما ثقافية - اجتماعية في عموم الولايات المتحدة، بل يقدم فحوصا طبية مجانية ومعلومات صحية؟ هل هذا ضد التخصص المؤسساتي في الدول؟ بل في ليبيا تستضيف أجهزة إعادة الإعمار محافل ثقافية، فلم لم يحتج أحد!؟ وأنا هنا أتساءل لا أتهم.
ماذا قد تستفيد النيابة العامة ومركز البحوث الجنائية؟
على هذا الأساس يبدو تنظيم النيابة العامة معرض الكتاب مبادرة لا يمكن فهمها بوصفها مبادرة ثقافية خالصة، بل فعلا مؤسسيا مركبا، يهدف إلى توسيع فضائها الإداري، وترسيخ حضورها الرمزي.
وأكثر من الأمثلة السابقة في بلد مثل ليبيا، تستفيد النيابة عمليا من الحدث لبناء بنية تحتية معرفية تخدم الجهاز القضائي عبر التعاقد مع دور نشر، لتزويدها بالمراجع، وتأسيس مكتبات ومراكز أرشيف وأبحاث.
كما يمثل المعرض تمرينا إداريا لتدريب كوادرها على إدارة الفعاليات الكبرى، والتواصل مع المؤسسات الأكاديمية والثقافية، ما يسهم في صقل قدرات بشرية كانت تعاني العطالة.
في المقابل، يمنحها هذا الحدث فرصة لإعادة تقديم نفسها للرأي العام كمؤسسة مدنية منفتحة تسعى إلى تثبيت صورة الدولة في وجه الانقسام السياسي والبيروقراطي.
وربما تسهم في تخفيف صورة «الكليبشة والبوكس»، والنظرة الشزرة لأي عضو نيابة، فالثقافة هنا تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج شرعية اجتماعية، تتجاوز المجال القانوني. معرض الكتاب يتيح للنيابة العامة تموضعا جديدا داخل المجال العام، يُظهرها كفاعل وطني يتولى مسؤوليات تتجاوز الردع والعقاب إلى البناء والوعي. إنها تستثمر في الثقافة، لتأكيد قدرتها على القيادة حين تغيب المؤسسات المدنية.
الثقافة امتياز وزاري أم فعل مجتمعي؟
نعم هذا التحول ينطوي على خطر التوسع في الاختصاص، إلا أنه يكشف أيضا عن براغماتية ميدانية، تسعى لتعويض العجز الإداري بمبادرات واقعية. من هنا يصبح التحدي ليس في منع النيابة من الفعل، بل في ضمان ألا يتحول حضورها المؤقت إلى وصاية دائمة على المجال الثقافي، وهذا يتجاوز معرض كتاب بالتأكيد لمدة عشرة أيام في العام.
إزاحة السؤال من أين الدولة؟ إلى لماذا النيابة العامة؟ سؤال مُلغز! إذا كانت للنيابة العامة فوائدها الخاصة كما أسلفنا، ولم يكن معرضها مانعا لغيرها بل مكملا له، وإن كان محدودا – ثقافيا – بمحدودية دور معرض كتاب في عموم شؤون الثقافة، فكيف يستقيم وصف الأمر بـ«الكارثة» – نعم الكارثة – وكأن الفراغ أفضل من الثقافة على الرغم من كل ما سبق.
الثقافة لا تخضع لمنطق الحصرية المؤسسية، فهي ليست امتياز وزارة، بل فعل اجتماعي متجذر في المجتمع والدولة. وإذا أطلقت النيابة العامة فعلا ثقافيا ناجحا، فذلك لا يعني مصادرة الفكر، بل استعادة شكل من أشكال الحياة المؤسسية عبر منفذ غير تقليدي. والخطر لا يكون فيمن يقوم بالفعل، بل في غياب الرؤية النقدية تجاهه.
نعم لمعرض النيابة العامة، ولكن!!
لا يمكن تبرير الاستبدال الدائم للمؤسسات الثقافية بالنيابة العامة (أو غيرها طبعا)، لكن يجوز الترحيب المؤقت بالمبادرات التي تملأ فراغا وتمنع العدم الثقافي. وإذا عادت الدولة فعلاً بمفهومها المدني، فلن يكون تنظيم النيابة معرض كتاب عائقا، بل تجربة تراكمية يمكن البناء عليها.
نحن لا نحاسب النيات، وليست هي المشكلة، بل المعضلة أن تبقى الثقافة يتيمة تبحث عن وصي. يجب نقاش من المسؤول، لا محاسبة الوصي المؤقت، وترك الوصي المتهرب! (مع الفارق طبعا)، والمطلوب ألا يتحول هذا «الوصي المؤقت» إلى سلطة رمزية جديدة تحتكر المجال الثقافي، ولكن أيضا ألا يرفض كل فعل ثقافي لمجرد أنه جاء من جهة غير تقليدية.
أكرر نحن بحاجة لنقاش ضمانات كافية، لمنع تحول الاستثناء إلى عرف يضعف بناء الدولة المدنية، وأذكركم بأنكم في ليبيا «ومن المطر عطينا بحري»، ومعرض النيابة لم يمنع فعلا، ولم يعرقل مبادرة، مع ضرورة الاعتراف أن «الملدوغ يتخيل الحبل أفعى»، وهذا حقه بل واجبه، لكن ما لم يحدث ذلك فمرحبا بمعرض النيابة العامة الدولي للكتاب، و«ارخو لوّلىَ» عسى نلتقي في معرض كتاب من تنظيم وزارة الثقافة قريبا.. هذا إن «جا باتك عالجحــ...»*.
• مثل ليبي محلي دارج
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات