يبدو أني لم أشبع بعد من الكتابة عن ترامب أو الظاهرة الترامبية، ليس لوسواس ترامبي رغم حضوره بقوة في كل العالم، ولكن لأنه، ببساطة هو الرجل الذي يؤثر مزاجه المتقلب وعُقده وانفعالاته في العالم كله الذي أصبح بفعل العولمة بنياناً واحداً لكن للأسف غير مرصوص، ولأن ما يتخذه ترامب من قرارات، تهدف إلى مصالحه الشخصية أو مصالح طبقته من الأثرياء أو حتى مصالح «أميركا أولاً»، هي قرارات تدخل حتى مطبخي في هذه القرية النائية، وتؤثر في حياتي اليومية، وفي حياة أي إنسان يدب فوق هذه الأرض.
هو ليس رئيسي في العمل ولا صديقي ولا عدوي الشخصي ولا جاري ولا عمدة بلديتي لكنه يستفزني كل يوم، أو كلما ظهر على الشاشة يقول بثقة كلاماً غير معقول. إنه ليس شخصية العالم فقط لكنه شخصية كل دقيقة وثانية، ومكمن الإثارة في هذه الشخصية مفارقة مفادها أن شخصاً طائشاً فات الثمانين من عمره يرأس أقوى دولة عسكرياً واقتصادياً في الكون، أصبح يسيطر على أزرار القوى النووية الفتاكة التي تتبعه في حقيبة أينما مشى، وحقيقةً هو لم يأت إلى هذا المنصب هابطاً من السماء، أو عبر انقلاب أو مبايعة، لكنه وصل إليه عبر انتخابات حرة ونزيهة رغم أنه ما زال قيد التحقيق في عشرات التهم الجنائية والسياسية، غير أن هذا لا يعني أن الوصول إلى السلطة عبر الصناديق آمنٌ دائماً، فمثل هتلر وغيره من الطغاة السايكوباتيك وصلوا عبر حملات انتخابية نزيهة أيضاً، كان يهيمن عليها خطاب شعبوي في الفترة الملائمة تماماً لأن تكون الشعبوية وسيلة جذب أشبه بالسحر، ولم يواجه ترامب في حملاته الانتخابية إلا امرأتين (هشتين سياسياً) في دولة تسيطر عليها لوبيات ذكورية بامتياز لم تستعد بعد لأن تكون الرئيسة أنثى، واستطاع الاستثمار في ملف الهجرة الرابح بالنسبة لأي مرشح لا يعير الجانب الأخلاقي في هذا الملف أي أهمية، إضافة إلى قاعدة شعبويته العريضة من البيض ومن الإنجيليين وغيرهما من الشرائح المرتبكة التي استخدم لجذبها كل ما يهيِّج العواطف، من حس قومي، أو وجد ديني، أو هواجس اقتصادية.
منذ أن أحس العالم بأن حظوظ وصول ترامب إلى البيت الأبيض راجحة بشكل كبير، بدأ يستعد لهذه المرحلة بإجراءات تشبه الاستعداد لكارثة قريبة، مثل عاصفة أو إعصار أو تسونامي أو انفجار بركان، أو غيرها من الكوارث التي يمكن التنبؤ بعواقبها، واتخذ الكثيرون ممن يتوقعون تأثير هذه الكارثة على مناطقهم إجراءات تحوطية لتقليل الخسائر ما أمكن ذلك، غير أن الكوارث الطبيعية قد تأتي بما لا تتوقعه مجسات التنبؤ المختلفة بما يجعلها تكتسب سمة «الظاهرة الطبيعية المتطرفة»، وفي حالة ترامب كانت قرارات الرسوم الجمركية تمثل هذا الخروج عن الحسابات أو تطرف الظاهرة.
ولأنه غالباً ما تكون الكوارث مؤقتة وتُحسب بأيام أو أسابيع ثم تنتهي ليبدأ حصر الخسائر والتعويضات وإعادة الإعمار، فإن المعروف أن كارثة ترامب ستمتد على مدى أربع سنوات، وهذا ما يجعلها جائحة أقرب للوباء، ويؤيد هذه المقارنة كون العالم الآن يتعرض إلى فوضى اقتصادية ومخاطر بما يشبه تماماً فترة وباء كوفيد 19، إضافة إلى ما نراه الآن من مشاهد ارتداء العديد من الدول للكمامات الاقتصادية أو محاولة عزل الأسواق التجارية، وتبَنّي أسلوب المماطلة والصبر مع اتخاذ إجراءات وقائية كتكنيك لمواجهة هذا الجائحة الاقتصادية، والحد من تفشيها حتى الوصول إلى ابتكار لقاح مضاد.
وضع أحد المدونين جدولين لما حصل في العالم من أزمات واضطرابات اقتصادية وانخفاض للمؤشرات الاقتصادية وغيرها من مظاهر عدم الاستقرار العالمي: جدول لتداعيات كوفيد 19 الاقتصادية في الشهور الثلاثة الأولى للإعلان عنه كجائحة عالمية، وجدول لتداعيات ما قام به ترامب في الشهور الثلاثة الأولى من وصوله للبيت الأبيض، وكم كان مدهشاً التشابه بين الجدولين ومنحنياتهما الاقتصادية شبه المتطابقة. اتهم البعضُ الصين بهذا التلاعب والنشر المتعمد للفيروس من أجل إعادة هيكلة العالم اقتصادياً أو العلاج بالصدمة، رغم اليقين بأن الجميع سيكون خاسراً في هذه المغامرة حتى وإن كانت محسوبة، ويظل الأمر في إطار الاتهامات التي لم تَثبُت صحتها. ترامب الذي يتبجح بدولته الأقوى في العالم لم يحتج إلى كل هذا، فهو نفسه من الممكن أن يتحور إلى فيروس فتاك، ويفعل ما فعله كوفيد لتحقيق مصالحه ومصالح طبقته أولاً ثم مصالح «أميركا أولاً».
أما انتشار عدوى الرسوم الجمركية فسيجعل من هذا القرار المتهور جائحة عالمية، وإنْ كانت بعض الأسواق التجارية تقوم بإجراءات وقائية أو حمائية كما حدث فترة انتشار كورونا، فإن بعضها سيناطح ويقوم بإجراءات مضادة لهذا الفيروس والبحث في تاريخ الأوبئة (تاريخ الأزمات الاقتصادية)، والأهم من ذلك، البحث سريعاً عن علاجات تخفف من أعرض الوباء، وعلى المدى الأطول اختبار لقاحات تحاول القضاء عليه أو على تأثيره المستقبلي.
من الواضح مبدئياً أن وضع الرقم 19 أمام اسم ترامب إحالة مباشرة إلى كوفيد 19، لكني حاولت ــ من باب شطط الروابط الغريبة بين الأشياء التي تستهوي ترامب ــ أن أجد مدخلاً يربطه بهذا الرقم، وربما ما نشرَتْه مجلة الإيكونيميست بكون سياسة ترامب تعود بالتجارة العالمية إلى القرن 19 يسعف هذه المحاولة، ولكن للبحث عن دلالات، وضعت الاسم مرفقاً بالرقم 19 في محرك بحث غوغل، والعنوان الوحيد ظهر في موقع مونت كارلو بتاريخ 1 أبريل 2025، كما يلي «تعود جذورها للقرن 19.. ترامب يعتزم قطع شجرة تاريخية بحجة السلامة العامة»، وبالاطلاع على محتوى هذا العنوان وجدت أن ما يرغب فيه ترامب وزوجته من تغييرات في حديقة البيت الأبيض، يشابه ما يحاول أن يحدثه من تغييرات في العالم الذي يعتبره حديقة البيت الأبيض الخلفية. «قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه أوعز إلى موظفي البيت الأبيض بقطع شجرة تاريخية كان قد زرعها الرئيس الأميركي الأسبق أندرو جاكسون في حديقة البيت الأبيض تخليداً لذكرى زوجته الراحلة راشيل، بحجة أنها تشكل خطراً على السلامة العامة».
وتحدث ترامب في منشوره عن طبيعة الشجرة التي تزعج مدخل البيت الأبيض وقال إنها «شجرة ماغنوليا جنوبية جميلة جلبها الرئيس جاكسون من هيرميتاج في تينيسي ولكنها الآن بحالة يرثى لها ويجب أن تنتهي».
وربما يرجع السبب الخفي إلى كون جاكسون رئيساً ديمقراطياً تُذكّر سياساته بتوجهات بايدن، لكنه لم يولد في عائلة غنية، ولم يكن صاحب ثروة ولم يلتحق بالجامعة، ما جعله يشتهر بدفاعه عن الفقراء والأقليات التي يمقتها ترامب، غير أن حديث ترامب المبرر لقطع هذه «الشجرة الجميلة» يشبه حديثه عن قطع أشجار القوانين والاتفاقيات التي كانت تعرقل طريقه إلى رغباته، أو قطع شجرة منظمة التجارة التي وصفها أيضا بـ «حالة يرثى لها» وقطع مواثيقها التي جاء بها رؤساء قبله يصفهم بالأغبياء. ويعتزم الرئيس ترامب زراعة شجرة أخرى «جميلة» مكان راشيل (من المتوقع أن يسميها ميلانيا على اسم زوجته السلوفينية المهاجرة)، «فيما سيعمل موظفو البيت الأبيض على قطع الشجرة في الأيام القليلة المقبلة، وإعادة تدوير خشبها التاريخي لأغراض نبيلة أخرى»، على حد تعبير ترامب.
وكما جرت العادة، انقسم رواد المنصات الاجتماعية إلى قسمين، فريق مهووس يدعم قراراته وجدواها، وآخرَ منتقد عارض ما وصفه «باستهداف ترامب للتاريخ الأميركي»، فيما تهكم آخرون على «الأغراض النبيلة» التي يريد ترامب إعادة استخدام خشب الشجرة فيها، بما يشبه تلك الأهداف النبيلة التي يحاول أن يقوض بها الاقتصاد العالمي طالباً من مواطنيه الحائرين الصبر هذه الفترة عما سيلحق بهم من أضرار. ويشبه هذا الصخب الرقمي الضجة التي أثيرت منذ عام ونصف العام حول حادثة قطع شجرة أخرى تاريخية في بريطانيا، وهي شجرة روبن هود التي عُثر عليها مقطوعة ذات صباح، وتوجه عشاقها لوضع الزهور على جثمانها، بينما صرحت الشرطة الإنجليزية أنها قبضت على المشتبه به وهو مراهق عمره 16 سنة، وفي كلا الحالتين هذا فعل لا يفعله إلا مراهق في العمر أو مراهق في السياسة.
وقد أصبحت شجرة القيقب، الموجودة في حديقة نورثمبرلاند الوطنية في شمال إنجلترا، مشهورة لملايين الناس حول العالم عندما ظهرت في فيلم كيفن كوستنر الضخم للعام 1991 (روبن هود: أمير اللصوص). وكانت الشجرة، الموجودة في مكان يُعرف باسم «فجوة القيقب»، تقع على جدار هادريان التاريخي المدرج ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو، الذي بُني قبل نحو 1900 عام لحماية أقصى الحدود الشمالية الغربية للإمبراطورية الرومانية، بينما شجرة راشيل كانت موجودة عند المدخل الجنوبي بالقرب من قاعة استقبال القادة الأجانب، وهو المدخل الذي يقطعه ترامب عند التوجه إلى مروحيته (مارين وان) للسفر.
قَطْعُ الريفي المراهق شجرة روبن كان لغرض نبيل، كما يقول، وهو توفير حطب للتدفئة في الشتاء المقبل، بينما أغراض ترامب النبيلة لم تُعرف بعد. غير أن ترامب معروف بقطع كل ما يعترض طريقه، سواء في عالم الأعمال أو عالم النساء أو عالم السياسة، ولا عجب أن يصف مشروعه لاقتلاع سكان غزة من جذورهم وتحويلها إلى منتجع سياحي بأنه لأغراض نبيلة أيضاً.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات