Atwasat

آلهة المال المجنونة

سالم العوكلي الثلاثاء 25 فبراير 2025, 11:01 مساء
سالم العوكلي

ثمة فكرة مرت في المقالة السابقة، لم أتوقف عندها ملياً، وتحتاج لبعض التوقف لما يستقر فيها من حدس بعالم جديد ستختلف فيه أسباب الصراعات وما ينتج عنها من تحالفات وأقطاب، مع الأخذ في الاعتبار أن العامل الاقتصادي ظل على مدى التاريخ وسيظل هو المحرك لكل التحالفات، والذي يمكن اختزال ملمحه الآن في المؤسسات المالية الكبرى ومؤشراتها التي تصعد وتنخفض فتهتز معها أحوال العالم وسكانه. غدا المال واشتقاقاته آلهة العصر الحديث، حيث أصبحت أسواق الأسهم، أو ما يسمى البورصات، معابده المكتظة بعباد المال وحُجّاجه، ودون حتى التفكير في طبيعة مصادر هذه الأموال التي تلهث خلفها الأرقام، ما يعطيها بعداً ماورائياً يقربها أكثر من شبهها بمعابد الآلهات الوثنية.

أما المؤشرات التي نراها على مدى 24 ساعة أسفل مئات الفضائيات وهي تتقلب بين الأخضر والأحمر، فهي مؤشرات جسد كوني موصول بالأجهزة في غرفة عناية فائقة.

مصطلح «السوق» كان معروفاً لدينا بكل ما هو ملموس ومحسوس حين كان ملتقى للتجار والمستهلكين، تُعرض فيه البضائع الضرورية للحياة مع فائض من السلع المترفة لمن لهم فائض من الحياة، غير أن ما تسمى أسواق المال ولوبياتها الخفية وغير الخفية التي أصبحت تتحكم في كل السياسات والتحالفات والحروب، لا علاقة لها بمفهومنا التقليدي عن السوق المُشْبِعة، فهذه السوق الافتراضية عبارة عن صفوف متراصة من رجال أنيقين، لا أثر لعمل أو إنتاج على سحناتهم وأيديهم، يجلسون على مقاعد وثيرة أمام شاشات تتحرك فيها الأرقام بسرعة، وهي حركة تتأثر بها حيوات البشر اليومية فوق الأرض، تسيطر عليها اصطلاحات طقوسية يصعب فهمها كأي لغة لاهوتية، مثل: المضاربة أو الأسهم السائلة، أو الحصص والسندات، أو الاشتقاقات والنداء المفتوح .. إلخ، وخلال دقائق من الممكن أن يكسب محظوظٌ الملايين، ومن الممكن أن يخسر منحوسٌ آخرُ ملايين، لكن ما يباع ويُشترى ليس مرئياً ولا يمكن لمسه أو معايرته أو إرجاعه، وهي شبيهة بلعبة بنك الحظ، أو لعبة السلم والثعبان، التي كنا نلعبها صغاراً، ونكدس عبرها أموالاً افتراضية تختفي بمجرد نهاية اللعبة، لكن في لعبة هذه السوق المهيمنة على العالم، المكسب حقيقي، والخسارة حقيقية لدرجة أنها قد تؤدي إلى الانتحار، وما أكثر ما أدت إلى انتحار أشخاص ينامون مليونيرات وحين يصحون يجدون أنفسهم مديونين بملايين. تشكل هذه الأسواق الافتراضية الاقتصادات الكبرى، وتتداول يوميا بتريليونات الدولارات، لكن يظهر زيفها وهشاشتها حينما تمر بها رياح الأزمات فتذروها مثل غبار.

أزمات من داخلها غالباً ما تتسبب فيها أساليب النصب الإلكترونية، أو فساد النظم المصرفية وعطب نظمها الائتمانية والرهون الزائفة، أو أزمات خارجية نتيجة كوارث مثل الحروب أو الأوبئة أو غيرها، وأدت هذه الأزمات المفاجئة أو غير المفاجئة إلى الكابوس الذي يسمى في لغتها «الركود الاقتصادي» والذي سيؤثر بالطريقة نفسها في ملياردير أو عامل منجم فقير، وأدى في حالات إلى الجنون، أو أحياناً إلى حالات انتحار شبه جماعية كما يحدث في بعض الطقوس الدينية، أو إلى نزوح أثرياء سابقين إلى العيش في الغابة حياةً بدائية والتخلص من كابوس المال وأسواقه المرعبة، وهي ظواهر واضحة ظهرت في الفترة الأخيرة، خصوصا بعد جائحة كوفيد 19 كأول جائحة كونية تقع في عصر ثورة الاتصالات الرقمية، ما جعلنا نرصد نتائجها عبر هذه التقنية المعلوماتية، وخلالها فقد الملايين وظائفهم في عالم مرتبط عضويا بهذه الآلهة، حيث فقدان الوظيفة يعني فقدان البيت والسيارة والأثاث، وحالات كثيرة من تفكك الأسر وخراب البيوت.

أما ما يتعلق بتأثير الحروب، فقد كشفت حرب روسيا وأوكرانيا زيف هذه الاقتصادات والأسواق التي تتداول بالتريليونات دون إنتاج ملموس، حين هددت هذه الحرب العالم بالمجاعة، ليكتشف البشر المقيمون خارج هذه المعابد البراقة، أن معظم القمح ومشتقاته، والذرة ومنتجاتها، والأسمدة وغيرها من ضرورات الحياة، يأتي معظمها من هذه الأرض التي تدور فيها الحرب وتُتخذ ضدها العقوبات القاسية. أما تريليونات أسواق المال واقتصادات الأثير والشرائح الإلكترونية فإنها لا تُطعم ولا تغني من جوع. هذه الأزمات والكوارث المهددة للعالم برمته هي ما أفضت، على سبيل المثل، لأن تباع ملايين النسخ من كتاب «رأس المال» لماركس في أيام محدودة عقب الأزمة، وكأنه كتاب اليائسين أو ضحايا الأزمات المالية المقدس.

وفي ظل هذا الرعب المتربص بمستقبل البشر لا يرى الآن ترامب ودائرته اللصيقة من أثرياء الأثير مخرجاً إلا عبر توظيف الذكاء الصناعي لإدارة مستقبل البشرية عبر تطبيقات كأنها القدر، فيحدث هذا التحالف الذي بدأ مع الحملة الانتخابية الثالثة لترامب، وشُرِع في تنفيذه بمجرد وصوله إلى البيت الأبيض، حيث يتحول العالم الذي ستقوده وفق هذا التحالف روبوتات ذكية، إلى بيئة أشباح تتحكم في تفاصيل حياتنا. عمالة لا تتعب ولا تأكل ولا تشرب ولا تمرض ولا تنام، ستحل محل الكائنات البشرية البدائية والمزعجة لأصحاب وصاحبات المال الذين ترتبط حيوات الملايين من الموظفين بمزاجهم وبقدرتهم على الصمود في وجه الكوارث والأزمات، وينبعث من تاريخ الفنون والفلسفة المتشائمة كلُّ الرعب الذي قرأناه بتوجس، وصولاً إلى عديد الأعمال السينمائية التي ينبع رعبها من وعود ووعيد هذا النظام العالمي المهيمن وحتمياته. الذكاء الصناعي الذي سيكون مركز اهتمام الإدارة الأميركية في الأربع سنوات القادمة على الأقل، ما يبشر به من وعود تتوعد، ديستوبيا حقيقية ستكون معها خيالات جورج أورويل في روايته (1984) مجرد حكاية مسلية للأطفال، و«الأخ الأكبر» المتسلط والمهرطق في الرواية يتخذ دوره الآن ترامب الذي يتحدث إلى زعماء العالم كأنهم إخوته الصغار الذين تجب عليهم طاعته وإلا.

تتقلص المسافة اطراداً بين اليوتوبيا والديستوبيا، حين تتحول اليوتوبيا التي بشرت بها الرأسمالية في ذروة كفاحها ضد أي بديل ممكن إلى ديستوبيا نعايشها يومياً، ونتابع شطحاتها في نشرات الأخبار. ولا يمكن أن نضع خطاب ترامب الذي يعبر فيه عن رغبته في تنظيف غزة من سكانها سوى في إطار الديستوبيا السياسية في ذروة مغالاتها وشطوحها. ولا يبعد عن هذا ما يتخذه من إجراءات حيال المهاجرين، والرسوم الجمركية المسرفة في أنانيتها، والانسحاب من اتفاقيات ومنظمات تتعلق بسلام وعافية الكوكب، وإطلاق العنان لنموذجه المفضل إيلون ماسك كي يتدبر تنفيذ هذه الديستوبيا عبر هذا التحالف المخيف بين أغنى رجال العالم والذكاء الصناعي، غير أن احتكار هذه الآلهة الجديدة لن يكون ممكناً، وما فاجأتهم به الصين التي لديها منظور آخر لهذه التقنية ينبع من عقيدة أو فلسفة الزن، سيجعل من الصراع القادم مغايراً، وأقطابه وأدواته مختلفة، أما الأغلبية من سكان الأرض الذين سماهم جون رولز (غير المحظوظين) أو بمعنى آخر؛ لم يتموضعوا في الأماكن والطرق التي يمر بها الحظ، فسيدفعون الثمن كما دفعوه مع كل النظم الدولية التي حكمت العالم. في تمهيده للفصل عن جون رولز يقول نايغل وربرتن: «قد تكون ثرياً.

وقد تكون غاية في الثراء. لكن معظمنا ليسوا كذلك، وبعضنا غاية في الفقر، إلى حد أنهم يمضون معظم حيواتهم القصيرة جوعى ومرضى. لا يبدو هذا صائباً ولا منصفاً، وبالتوكيد أنه ليس كذلك. لو كانت هناك عدالة حقيقية في العالم، لما تضور الأطفال جوعاً، فيما كان لدى آخرين أموال لا يعرفون ما يصنعون بها، ولأمكن لكل مريض أن يحصل على علاج طبي جيد. وما كان لحال فقراء أفريقيا أن يكون أسوأ بكثير من حال فقراء الولايات المتحدة الأميركية أو بريطانيا.

وما كان لثروة أغنياء الغرب أن تساوي ضعف آلاف المرات ثروة من ولِدوا دون خطأ ارتكبوه في ظروف عوز شديد. تتعلق العدالة بمعاملة الناس بإنصاف.

قد يقول بعض ممن يتفكرون في حالات الإجحاف هذه (حسن، الحياة ليست منصفة)، ثم يهزون كتوفهم ويمضون.

وعادة ما يكون هؤلاء هم المحظوظين بشكل خاص؛ آخرون سوف يمضون بعض الوقت في التفكير في كيف يمكن للمجتمع أن ينظم بشكل أفضل وقد يحاولون تغييره كي يصبح أكثر إنصافاً»1. ويعتبر وربرتن أن هذه التساؤلات والمفارقات هي أساس كتاب «نظرية في العدالة» لرولز، ولكن كيف كانت تكون صدمة رولز لو رأى ـ بعد 54 عاماً من نشر كتابه ــ الآخرين الذين بمقدورهم تغيير الوضع، وأعني الدول الغربية الغنية، تتحالف مع دولة فاشية ضد شعب معزول في غزة، جوَّعته عمداً، ومنعت عنه العلاج والطعام والماء الصالح للشرب، وقُتل بأسلحتها عشرات الألوف من النساء والأطفال، ثم تطالب الدولة المتزعمة لهذا التحالف عبر رئيسها ترامب بإزالة ما تبقى من مخلفات بشرية من هذا المكان «الرائع» لإقامة منتجعات للأثرياء فوق مقابرهم.

ويظل كتاب رولز يوتوبيا للمستقبل تمتاز بإمكانية تحقيقها حين ينتصر الإنسان من لحم ودم بفضائله على الروبوت البشري أو المعدني2.

1ـ نايغل وربرتن (تاريخ موجز للفلسفة) ترجمة نجيب الحصادي. قيد الطبع.
2 ـ حقيقة لا أرى في ترامب وماسك إلا روبوتات بشرية مبرمجة، أحدها روبوت ذكي والآخر غبي.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»