Atwasat

قراءة في خطاب خوري قبيل بدء لجنتها الاستشارية

طارق القزيري الثلاثاء 11 فبراير 2025, 08:36 مساء
طارق القزيري

في حديث نائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، ستيفاني خوري، بأول اجتماع للجنة الاستشارية الفنية، قدمت السيدة خوري خطابًا استراتيجيًا يُبرز إطلاقَ «اللجنة» بهدف معالجة التعثُّر السياسي المُزمن الذي تُعانيه البلاد، مع تركيزٍ خاص على تعزيز الآليات الرامية إلى إجراء الانتخابات الوطنية.

يُمثِّل هذا التحرك استجابةً أمميةً ـ بدأها المبعوث السابق السنغالي عبدالله باتيلي ـ لتعقيدات المشهد الليبي، الذي يتسم بانزياح الشرعية المؤسسية وتفكُّك السُلطة بين كيانات متنافسة، ما أدى إلى استقطابٍ بنيوي يعيق الانتقال الديمقراطي. يُحلَّل هذا الخطاب في سياقه السياسي والوظيفي واللغوي، انطلاقًا من إطاره المفاهيمي القائم على الشرعية الدولية (كالقرار 2755 الصادر عن مجلس الأمن عام 2024) وصولًا إلى تحديات التنفيذ الميداني.

السياق السياسي: بين الشرعية الدولية والواقع المحلي
تشكيلُ اللجنة الاستشارية يعكس سعيَ المجتمع الدولي إلى تجاوز النمط التقليدي للوساطة السياسية، عبر تبني آلياتٍ هجينة تجمع بين الخبرة الفنية والحوار السياسي. ففي ظلِّ انقسام المؤسسات الليبية (مُمثَّلةً في حكومة طرابلس وحكومة الشرق)، تبرز الحاجة إلى إطارٍ تشاركي يُعيد تعريف أولويات المرحلة الانتقالية، كإصلاح الإطار الدستوري وضمان شمولية العملية الانتخابية.

فالفاعلون الليبيون، المُتنازعون على الشرعية، قد يُعيدون إنتاج خطاب الرفض تحت غطاء خطابي يجيدونه باقتدار، يعتبر اللجنة أداةً لتمرير أجندات خارجية، تحت سردية «هيمنة شبكات المصالح العابرة للحدود» وغيرها من ألاعيب الخطاب.

حدود الفصل بين الاستشارة وصنع القرار (تجربة اليمن)
يُؤكِّد حديث خوري على الطابع التقني للجنة، كجسمٍ استشاري يهدف إلى تقديم توصيات قائمة على المعطيات الموضوعية، دون تجاوز صلاحيات المؤسسات الليبية. إلا أن هذا الفصلَ الجوهري بين «المشورة» و«التنفيذ» يُعيد إنتاج إشكالية كلاسيكية في حقل الدبلوماسية الوقائية، وهي فجوةُ المصداقية بين الخطاب الأممي والممارسة الفعلية.

فالتجارب السابقة (كعملية الحوار الوطني في اليمن 2013–2014) تُظهر أن اللجان الاستشارية تتعرض لخطر التهميش إذا لم تُرافقها آليات ضغط سياسي أو حوافز ملموسة.

علاوةً على ذلك، فإن طبيعة النظام الليبي اللامركزي تُضعف القدرةَ على توحيد القرارات التشريعية، ما يُفاقم صعوبة ترجمة التوصيات إلى سياساتٍ فعلية. هنا، تُصبح مسألة الدعم المؤسساتي للجنة، سواء من البرلمان أو المجلس الرئاسي، شرطًا جوهريًّا لتجنب مصير «الخطابات التجميلية» التي تفتقر إلى القوة الإجرائية.

الخطاب التفاؤلي وإشكالية الفعل
من الناحية الخطابية، اعتمدت خوري لغةً تُوازن بين التفاؤل الحذر والاعتراف الصريح بهشاشة الوضع، عبر مصطلحات مثل «الاستقرار الهش» و«دروس الماضي».

هذه الاستراتيجية البلاغية تُحاكي نمطًا شائعًا في الخطاب الدبلوماسي، يهدف إلى تحفيز الأطراف دون إثارة تصادُمات مفتوحة. لكنّها تطرح تساؤلاتٍ حول مدى فعالية «الخطاب الوسطي» في سياقٍ تتطلب فيه الأزماتُ العميقة لغةً أكثر جرأةً، كتحديد المسؤوليات أو فرض عقوبات رمزية على المُعيقين. فالنظريات النقدية في تحليل الخطاب السياسي تُشير إلى أن الإفراط في الاعتدال اللغوي قد يُضعف الرسالة، ويُقلِّل من قوة الردع الأخلاقي الذي تحتاجه مثل هذه العمليات.

نموذج تكاملي لبناء الثقة
يظلُّ نجاحُ اللجنة مرهونًا بقدرتها على تجاوز الإطار الشكلي للاستشارة، عبر تبني نموذجٍ تكاملي يجمع بين الشرعية القانونية (من خلال قرارات مجلس الأمن) والشرعية الاجتماعية (عبر إشراك المجتمع المدني والأحزاب والقبائل مثلا).

كما يتطلَّب الأمر تعزيزَ الشفافية في عمل اللجنة، عبر نشر تقارير دورية تُخضع توصياتها للنقاش العام، ما يُسهم في كسر احتكار النخب للعملية السياسية. في المقابل، يجب على المجتمع الدولي تجنُّب الانزلاق نحو «الدبلوماسية الافتراضية»، التي تعتمد على الخطابات دون ضمانات تنفيذية، عبر ربط الدعم المالي والفني بالتقدم الملموس في الحوار.

التجربة الليبية، بكل تعقيداتها، تُذكِّرنا بأنَّ حلَّ الأزمات الهيكلية يتطلَّب أكثر من مجرد إعادة ترتيب الأدوار؛ بل يحتاج إلى مقاربةٍ تُعيد الاعتبار لإرادة المواطن كفاعلٍ مركزي في المعادلة، وهذا بالذات ما يسعى الفرقاء الليبيون لتجنبه.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»