Atwasat

قليلٌ عن الماجري من كثيرٍ عنه

أمين مازن الأحد 26 يناير 2025, 04:38 مساء
أمين مازن

لم تسمح لي الظروف الخاصة والعامة بالقيام بما يجب القيام به تجاه الشاعر الشهير والصديق الكبير الأستاذ رجب الماجري عشية رحيله في العام الثاني عشر من قرننا هذا، وقد بلغ يومئذ الثانية والثمانين من عمره، وكنت قد اشتبكت معه وجيله الذي ملأ حياتنا الأدبية والسياسية في السنوات الأولى من قيام دولة الاستقلال. وكان الرحيل بعد أقل من سنة تلت سقوط نظام سبتمبر، وبروز مظاهر الشيخوخة على الشاعر الكبير الذي قُدِّرَ لي أن أقترب منه ابتداء من منتصف الخمسينات متخرجًا في مصر ومقيمًا بطرابلس ومتدرجًا بنيابة المحكمة العليا، ومداومًا على أمسيات السيد محمد ختم الهوني الذي جمع في إقامته هو الآخر بالمدينة بين فتح محل لبيع السجائر بالجملة وعضوية مجلس النواب الليبي في هيئته النيابية الثانية، لتكون ناحية المحل، وبالأحرى ردهته، ملتقى يوميا لعديد الشخصيات ممن أتيت على ذكر بعضهم في مساربي، وجزئها الأول تحديدًا، لما ظفرتُ به عن طريقهم من وافر المعلومات عما كان يجري وما قد جرى بما يتسم به بعضهم من الموضوعية مثل الفقيد.

وقد خصني شخصيًا بالكثير من المعلومات لمجرد اطمئنانه لرغبتي في الاستفادة. وقد كان، والحق يقال، بين الذين يُفرّقون بين الخاص والعام، والعلاقة وعدمها، ولا سيما الأحكام القانونية، وما يمتاز به البعض من احترام القضاء، وعدم التدخل في الأحكام خارج المداخل الشرعية. كما لا يتخذ من القضايا المعروضة مادة لأحاديثه، مع أنه كان صاحب الأدوار المشهودة في القضايا المتصلة بتراخيص الصحف الخاصة بواسطة حكم المحاكم ورؤية النيابة بالضرورة.

كما ظهر جليًا في صحيفتي «الميدان» و«الأيام»، والأحكام الابتدائية حول قضايا العمال، وما عُرِفَ عن دوره في الخصوص، وبشكل عام رأيناه دائم الصمت عن الأحاديث المتعلقة بها قبل الحكم وبعده. وقد شغل الماجري من هويته الأدبية عضوية اللجنة العليا للإذاعة ومثلها للآداب والفنون، فكان دائمًا من مناصري التجديد شعرًا ونثرًا، ولم يفقد موقفا حتى وهو يحمل حقيبة وزارة العدل في آخر وزارة شكلها ونيس القذافي بالعهد الملكي، فيوقَف ضمن من أُقِفوا ويبدأ مسرعًا مشواره الجامع بين القانون كحرفة والأدب كرسالة، حتى أنه كان في مقدمة الذين حضّروا لأول اجتماع تأسيسي لاتحاد الأدباء والكُتّاب، الذي أشرف عليه يومئذ الأستاذ محمد بلقاسم الزوي، فكان الماجري ضمن السبعة الذين تشكلت منهم اللجنة التنفيذية للاتحاد مؤديًا كل ما طُلِبَ منه، غير متردد في خياره الأدبي حتى والاتحاد يتعرض لبعض الهجمات الصحفية المُغرضة التي انتهت بدمج الأدباء مع الفنانين قصد تهميش دور الكلمة، فظل إلى جانب المُصرِّين على البقاء، الذي كان من نتيجته استعادة الدور، فيكون بين الذين كُرِّمُوا عن جدارة ليس كشاعرٍ أو أديبٍ، بل ووزيرٍ سابقٍ أيضًا لم يفرط في هويته قيد أُنملة.

وتظل قصيدته التي رثى فيها الأستاذ مصطفى بن عامر خير مثال على رسائله المُعبِّرة عن الاعتزاز بالماضي، والمُسَفِّهة للذين تسلقوا العهد السبتمبري من مدخل جمعية عمر المختار، بينما كان زعيمها مصطفى بن عامر أول من أشاحَ بوجهه عن العهد لمجرد ظهور ما لم تسترح له نفسه، ولو لم يكتب الماجري سوى هذه المرثية لكفاه فخرًا، حيث كانت رثاءً للمواقف وتنديدًا بالمتنكرين لها.

ونأتي اليوم لنترحم على الاثنين الأستاذ مصطفى بن عامر والأستاذ الشيخ رجب الماجري المريد، ورثاء اللاحقين للسابقين أثمن الديون التي لا مهرب من أدائها ولو تأخرت حينًا، ولا سيما وقد منَّ الله بترشحه لنيل وسام الريادة في السنة التي كان الاعتماد فيها من مشمولات السيد محمود الخفيفي من موقعه الرسمي.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»