Atwasat

نحن جميعًا موصومون

عمر الكدي الإثنين 23 سبتمبر 2024, 09:56 مساء
عمر الكدي

أشكر الصديق الشاعر والكاتب المتميز سالم العوكلي على رده على مقالي «الدولة الحديثة والعصبية»، في مقاله «الحتمية الاجتماعية وطنجرة القذافي»، وأرحب بتوسيع دائرة النقاش والحوار في موضوع شائك وحساس، ويتحاشى تقريبًا الجميع الخوض فيه، ويستهل العوكلي مقاله بكثرة استخدامي لكلمة «ربما»، فأنا مثقف يطرح الأسئلة المحرجة ويثير القضايا المسكوت عنها، ولكنني لا أدعي أنني أملك اليقين الذي يملكه الفقيه والمنظر الأيديولوجي والطاغية، كما تعترضني الكثير من المشاكل، وعلى رأسها صعوبة الوصول إلى المعلومة، وغياب الدراسات والبحوث والإحصاءات عن المجتمع الليبي، باستثناء مجهودات الدكتور مصطفى التير، وهي وصفية وقليلة، التي قد تساعدني في تشخيص المشكلة، وفي هذه الحالة لا يبقى أمامي إلا انطباعاتي وما عايشته ورأيته في المجتمع الليبي، وأن اعتمد على دراسات جادة أعدها مفكرون من دول مجاورة لأتلمس الدهليز المظلم الذي يعيش فيه المجتمع الليبي، يكفي أن الكتاب الوحيد عن الشخصية الليبية كتبه التونسي المنصف وناس، والذي لا أتفق معه فيما ذهب إليه من استنتاجات، وفي نفس الوقت أشكره وأحييه على جهده الذي لم يتورط فيه المثقفون الليبيون، ولكن هذه وصمة في حق الليبيين، وإذا تساءل الدكتور خليفة التليسي عام 1965 هل لدينا شعراء، فإنني أتساءل اليوم هل لدينا شعب اسمه الشعب الليبي؟

يؤكد العوكلي أن القذافي جاء صدفة وليس حتمية اجتماعية وتاريخية، بينما أرى أن القذافي وعهده كان حتمية اجتماعية وتاريخية، ولا يمكننا مقارنته بالديكتاتوريات التي ظهرت في المجتمعات المتقدمة، مثل موسيليني وهتلر وفرانكو وحتى بينوشيه، فظهور هؤلاء كان استجابة لتطور النظام الرأسمالي، وحل فرضته الطبقة البرجوازية للخروج من عنق الزجاجة، وتمكنت هذه المجتمعات من التوافق بعد سقوط الديكتاتور ووصلت إلى النظام الديمقراطي بثمن معقول أو باهظ، بينما الليبيون لم يصلوا إلى النظام الرأسمالي، ولا يزالون مجتمعًا ريعيًّا بامتياز ولم يصلوا حتى إلى ما وصفه المفكر المصري سمير أمين وقبله ماركس بنمط الإنتاج الآسيوي. المجتمع الليبي للأسف لا يزال يخضع للتحليل الخلدوني.

موجة بدوية تصل إلى السلطة فتمحو ما قبلها لتتحول إلى الحضارة خلال خمسة أجيال، ثم تأتي موجة أخرى وهكذا دواليك والفارق أن الزمن أصبح أسرع من زمن ابن خلدون، فالقذافي استغرق هذه العملية في أربعة عقود ولكنه وصل إلى نفس النتيجة، ولهذا لم يتفق الليبيون بعد مرور 13 سنة على سقوط القذافي، لأن الموجة البدوية جاءت هذه المرة متنكرة وبدلًا من القبيلة والدعوة الدينية، سيطرت على المجتمع من خلال مؤسسات صورية، مثل مجلس النواب والدولة والمجلس الرئاسي وحكومة في الغرب وأخرى في الشرق، ومصرف مركزي ومؤسسة النفط، ولكن ذلك البدوي والانكشاري والكمبرادوري الصغير لا يزال حاضرًا في تاريخنا ولم يكن صدفة. يستحيل أن يحكم هولندا حاكم مثل القذافي أو حتى مثل هتلر، بالرغم من صعود اليمين المتطرف، ولكن من الممكن عودة عسكري مثل القذافي ليحكم ليبيا مرة أخرى، بعصبيته القبلية وبعائلته وبمساندة من القبائل الحليفة، ولا أستغرب أن يكون بترحيب من أغلبية الليبيين، وسيضعنا في طنجرة أخرى ربما لا تكون طنجرة ضغط، ولكنها محكمة الإغلاق مع وجود منفسات كافية.

في منتصف التسعينات سمعت مقاطع من قصيدة شعبية طويلة كتبها عدد كبير من الشعراء، تصور قطارًا يسير من الشرق إلى الغرب، ويهجو هجاءً مدقعًا جميع القبائل والمناطق في طريقه. بحثت عن هذه القصيدة فلم أجدها على اليوتيوب، ولا في مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يزال الليبيون في كثير من المناسبات وحتى في الأمثال يستخدمون نعوتًا غريبة لوصف بعضهم، فثمة قبائل توصم بأنها تصبغ الحمير، وقبائل توصم بأنهم لصوص ويسرقون الجديان، ومناطق بأنهم خوان مثل «غريان خوان ووادي القواسم بزايد»، على طريقة الوزير العباسي الذي أرسل إلى قاضي مدينة قم رسالة، يقول فيها أيها القاضي بقم قد عزلناك فقم، فقال القاضي والله ما عزلتني إلا القافية، كما يطلق الليبيون على سكان غريان «خرازين البلوز» وهو ما لا ينكره الغراينة، ولكنهم يعترضون على كلمة بلوز فهم يخرزون التين الناضج وليس الفج، وأطلق لقب الفحامة على أهالي ككلة، لأنهم استثمروا في المخابز عندما انتقلوا إلى طرابلس، وكانت المخابز تعتمد على الحطب والفحم، ويقولون على الورفلي أشكره وخود جرده؛ بل وكانوا يتهمون قبيلة في مصراتة بأنهم يأكلون لحم الكلاب، وفي منتصف الثمانيات انطلقت من طرابلس موجة من النكات تستهدف أهالي ترهونة، وعندما يصل العناد بين الليبيين إلى ذروته يقولون «جيفة ولا يأكلوها العواتة»، والعواتة قبيلة موجودة في غرب وشرق وجنوب ليبيا معروفة بالكرم والتسامح، ولكنها خاضت اشتباكات مسلحة مع قبيلة عكارة في نسمة جنوب مزدة على أرض تستخدم كمرعى.

في دارفور انفجرت الحرب الأهلية بين القبائل العربية والأفريقية، بسبب الاختلاف في نمط الإنتاج لكل منهما. العرب يعتمدون على رعي الإبل، والأفارقة مزارعون مستقرون ويعتمدون على الماشية الصغيرة، وهذا النوع من الصراع اختفى في معظم أنحاء ليبيا ولكنه لا يزال يطل برأسه، وعلينا دراسة أنماط الإنتاج وعلاقات الإنتاج للوصول إلى استنتاجات أكثر دقة، ومعرفة العوامل الثقافية والسلوكية لكل نمط.

مهمة المثقف الحقيقية هي نقد ثقافة مجتمعه وأصوله وليس تمجيدها والدفاع عنها، واستخدام مناهج أكثر موضوعية وحيادية للسير في حقول الألغام. حتى الآن لا نزال لم نعرف على وجه الدقة ماذا حدث لمدينة درنة. المدينة الصغيرة والجميلة التي دخلتها أول مرة في رحلة مدرسية عام 1970، عندما نجحت في امتحانات الشهادة الابتدائية. شعرنا بالحياء من البنات الجريئات اللواتي كنَّ يشاكسننا نحن طلبة مدرسة الفنون والصنائع، القادمين من شارع 24 ديسمبر في قلب طرابلس، وكيف تحولت تلك المدينة المنفتحة والمتسامحة إلى أكثر المدن الليبية تصديرًا للإرهابيين.

حتى الآن لا نعرف هل هؤلاء الذين ذهبوا إلى أفغانستان والعراق وسورية هم من سكان درنة «الأصليين»، أم من القبائل التي سكنت درنة في فترات متلاحقة أم خليط من الاثنين، ووضعت كلمة الأصليين بين قوسين لأشاكس صديقي سالم، لأنه لم يوافق على استخدامي لتعبير «سكان طرابلس الأصليين».

يروى عن الملك إدريس أنه كان يوصي بتعيين أحد شيوخ قبائل برقة وزيرًا، فيقولون له ولكنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، فيرد الملك اردفوه بدرناوي، في الأسبوع الأول من ثورة فبراير خرج سكان درنة لتشييع من سقطوا برصاص قوات الأمن، وفجأة اختفى كل من له علاقة بالأمن، واتضح لاحقًا أنهم تقريبًا جميعًا من خارج المدينة، وكأن القذافي تعمد قلب وصية الملك، وعمل البغدادي المحمودي وزيرًا للصحة ورئيسًا للحكومة دون مرتب، كما عمل الصديق الكبير دون مرتب منذ تعيينه محافظًا للمصرف المركزي، وها هو يصر على العودة إلى منصبه ولا نعرف ماذا استفاد من هذا المنصب.

الوصمة ستلاحقنا أينما حللنا هناك في ليبيا وهنا في هولندا. الهولنديون ينعتون البلجيكيين بالغباء، والأوروبيون ينعتون الهولنديين بالبخل، والإنجليز ينعتون الأيرلنديين بالغباء والإسكتلنديين بالبخل، وسكان شمال إيطاليا يحطون من شأن سكان جنوبها، ولن يتوقف المصريون عن التنكيت على الصعايدة، ولكن المثير أن يخبرك صعيدي بنكتة جديدة عن الصعايدة، وكل هذا لم يمنع التعايش السلمي والمشاركة والتوافق، ولكن الخطر يأتي عندما نتجاهل هذه القضايا المحرجة، مثل الذي يخفي الأوساخ تحت الحصيرة لأن ضيوفًا سيصلون على عجل، ويجلس ليرحب بهم بحفاوة راجيًا ألا يتعثر أحدهم في الحصيرة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»