Atwasat

مشاهد ثقافية من زمن الكبار! (2-3)

سالم الهنداوي الخميس 20 يونيو 2024, 03:11 مساء
سالم الهنداوي

.. في شهر أكتوبر من العام 1988 كُنّا على موعد مع انطلاقة فعاليات "الملتقى العربي الأول للإبداع الأدبي والفني" في مدينة "أغادير" المغربية الواقعة على شاطيء المحيط الأطلسي، تلك المدينة الوادعة التي كانت انهارت تماماً في الزلزال الشهير عام 1960 فأصبحت أطلالاً تبكي على المحيط ببقايا أشعار وصُور، ولتنهض من جديد في زمن وجيز تستعيد عافيتها ولتكون من أجمل المُدن المغربية على الأطلسي.

كان ذلك الملتقى الكبير من تنظيم "المجلس القومي للثقافة العربية" بالتعاون مع المجلس البلدي لأغادير، واعتُبر الملتقى في ذلك الوقت بحسب المشاركين والمتابعين لأعماله من أكبر التجمّعات الأدبية والفنية في تاريخ الثقافة العربية المُعاصرة التي شارك فيها أكثر من مائتي أديب وفنّان في مختلف مجالات النقد الأدبي والقصّة والرواية والشعر والمسرح والموسيقى والفنون الشعبية والتشكيلية من مختلف أقطار الوطن العربي، اجتمعوا جميعهم تحت شعار "قضايا الإبداع والهُوية القومية".

كانت الرحلة طويلة من طرابلس إلى أغادير عبر الدار البيضاء، لكن الصُحبة الطيِّبة التي ضمّت أعز الأصدقاء، كانت مُمتعة سبقت استمتاعنا بلقاء أصدقاء آخرين عرباً وأمازيغ لم نرهم منذ زمن.. كان وفدنا الليبي يتكوّن من الأساتذة الأجلاء: خليفة التلّيسي وعبد الله القويري وعلي فهمي خشيم وعلي مصطفى المصراتي ومحمد ياسين عريبي وأحمد إبراهيم الفقيه وحسن عريبي وعبد الحميد المجراب وفوزي البشتي رحمة الله عليهم جميعاً، وأمين مازن ورمضان سليم ومفتاح العمّاري وعبدالمنعم المحجوب وسالم الهنداوي.. فيما شاركت أسماء عربية كبيرة من الأدباء والفنّانين العرب توزّعت مشاركاتهم على الفعاليات في أصبوحات ثقافية وأمسيات شعرية وسهرات فنيّة.. من مصر شارك المفكّر اليساري الكبير محمود أمين العالم ويحيى حقّي واعتدال عثمان وعزّت العلايلي وإنجي إفلاطون وجورج البهجوري وفريدة النقاش وأحمد بهجت وفردوس عبد الحميد وصلاح أبوسيف وعلي بدر خان ومحمد فاضل وعلي سالم ونبيل حجازي وآخرون.. ومن سوريا أذكر جورج طرابيشي وبرهان غليون وعلي عقلة عرسان ومنى واصف وأسعد فضّة وداوود شيخاني وعبد الله أبوهيف وحيدر حيدر وعلي فرزات وإبراهيم الخطيب وآخرون، ومن لبنان أذكر سهيل إدريس ويمنى العيد وإلياس خوري وأحمد فرحات ومحمد العبد لله وإبراهيم العريس وأحمد قعبور وتوفيق الباشا وآخرون، ومن فلسطين أذكر يحيى يخلف ورشاد أبوشاور وناجي علّوش وأحمد دحبور وليانة بدر ووجيه مطر وآخرون.. ومن العراق أذكر طراد الكبيسي وسميرة المانع وباقر جاسم محمد وصلاح نيازي ومنير بشير وآخرون، ومن المغرب الدولة المضيفة شارك محمد برادة ومبارك ربيع وأحمد المديني وإدريس الخوري ومحمد بنّيس وخناتة بنونه ومحمد الأشعري وفاطمة الجامعي وعبدالكريم غلّاب وبشير القمري وعز الدين التازي ومحمد سبيلا وإدريس الناقوري ومحمد عزيز لحبابي وعبد الحق الزروالي وعباس الجراري ومحمود الإدريسي ومحمد الرايسي وآخرون.. ومن تونس شارك الطاهر لبيب ومنصف المزغني ومحمد قطاط وآخرون، ومن الجزائر الطاهر بن جلّون وأحلام مستغانمي وواسيني الأعرج وعبد العالي رزاقي ومحمد دحو وآخرون، ومن الكويت شاركت الروائية ليلى العثمان، ومن اليمن المسرحي علي الشرفي إضافة إلى مشاركات من السودان وموريتانيا ومن خارج الوطن العربي لم تحضرني أسماؤهم للأسف.

عشرة محاور في خمسة أيام متتالية ناقشت الفكر والفلسفة، الشعر، القصة والرواية، النقد الأدبي، المسرح، السينما، الموسيقى والفنون الشعبية، الفنون التشكيلية والعمارة، ثم الإعلام؛ ما شكل سابقة لم تتكرّر عربياً حتى تاريخه.. وكان زخم الحضور من الجمهور يفوق عدد المشاركين وقد غصّت بهم القاعات وساحة البلدية التي رفعت زينتها في استقبال الوفود والتصوير معهم في صفاء الجو الأطلسي خلال شهر أكتوبر، شابّات وشباب أغادير اليانعون كان للطفهم ما أبهج صدورنا وزاد من حماسة اللقاء، فقد تحوّلت صباحات أغادير ومساءاتها إلى مهرجان ثقافي وفني تاريخي حفظته في سجلّ بلديتها الراعية لهذا الحدث الثقافي الاستثنائي في تاريخ المدينة التي شابهت نهاراتها ولياليها مدينتي "كان" و"موناكو" الفرنسيتيْن عند استقبالهما لنجوم السينما العالمية وأهل الفن والثقافة والأدب، وكان اللافت تأثير الشعر الحداثي على أسماء المحال التجارية والفنادق والمقاهي والحدائق، فذات تجوال برفقة الشاعر مفتاح العماري والكاتب عبد المنعم المحجوب قرأنا القصائد في العناوين؛ فندق اسمه "إقامة الشمس!" وصيدلية اسمها "الليمون" ومنتزه اسمه "حديقة الماء!" ومحل ألعاب أطفال اسمه "أحلام الطفل!".. وأكثر من ذلك، وكأننا مع ترجمات بديعة لشعراء فرنسيين حطّوا بقصائدهم على نوافير الماء في أغادير ورحلوا مبتهجين كأطفال!

في ليلة وصولنا لم ننم رغم تعب الرحلة التي انطلقت من طرابلس صباح يوم 20 أكتوبر لنجد بعض الضيوف قد سبقونا في الوصول إلى الفندق ووفود أخرى يتوالي وصولها وقد صار الفندق يعجّ حتى الصباح بالقامات والحقائب والضوضاء، وفيما جلسنا في حديقة الفندق الكبيرة نستقبل القادمين من بعيد ونحضن الأصدقاء ونتبادل الترحيب بأشواقنا الغامرة، دخل بيننا صاحب "طاحونة الشئ المُعتاد" كاتبنا الكبير الراحل "عبدالله القويري" مبتهجاً سعيداً بنيل نجيب محفوظ جائزة نوبل وليقول لي بلكنته المصرية: "شفت، شفت يا هنداوي جارك نجيب محفوظ عمل إيه، خد نوبل على "جبلاوي".. جبلاوي ما كانش بس مالك الحارة، ده كان لوه الأمر كُله وهو يناديه يا جبلاوي يا جبلاوي.. عرفت مين هو جبلاوي يا هنداوي"!.. وجلس الكبير بيننا وهو يعيد كلمات احتفائه بمحفوظ وقد شاركه التهليل من بعيد صاحب مسرحية "مدرسة المشاغبين" المخرج المصري "علي سالم" وهو يتنقّل بجسمه الضخم ولباسه الأبيض فلم تغب حركته بين الجموع في حفل بهيج يسبق الاحتفال، فيما ظل البعض واقفين يتبادلون الأحاديث بين المقاعد ويقطعونها بملاقاة أحبابهم على بساط العُشب الندي وأكاليل الزهور تحت الأضواء الساطعة، وكان الشخص الأبرز صانع الحفاوة في تلك الليلة هو "ذاكرة الوطن" شيخ الأدباء الليبيين "علي مصطفى المصراتي" الذي كان لحضوره المرح المميّز بالغ التأثير في نفوس الذين يعرفونه منذ زمن، وفي نفوس الذين عرفوه لأول مرة في أغادير.

بتلك الحفاوة والأحاديث الجانبية التي استغرقت الليل كُلّه وكأن أعمال الملتقى قد بدأت ليلاً قبل افتتاحها في الصباح الذي لاح من بعيد في سماءٍ بعيدة أيقظت العصافير من سباتها.. كانت روح المدينة تقيم بوداعتها بيننا في محيط وردهات وفضاءات ذلك الفندق الكبير الذي امتلأ بضيوف المشرق والمغرب يحييون اللغة وتجلياتها في المكان الذي عاد للحياة من جديد وكان مناسباً لإحياء ضمير الأمة بمثقّفيها الذين جمعتهم الهموم بقضايا الإبداع والهُوية القومية، وكانوا عند الوعد بالموقف الثقافي قبل الانهيار السياسي الذي طال كُل شئ في وطنٍ لم يعُد ممكناً لألق الإبداع وقد غابت عن منابره الثقافية لُغة الذات والحرية.