Atwasat

التوجه شرقاً

رافد علي الجمعة 21 يوليو 2023, 11:22 صباحا
رافد علي

في عالم متقلب سياسياً وأمنياً وليس في أفضل حالاته الاقتصادية، تسعى الجمهورية الجزائرية لخلق تحالفات جديدة ونوعية يسودها أقصى قدر من الثبات بما يخدم مصالحها الداخلية والإقليمية.

في هذا الصدد اختارت الجزائر أن تتجه أكثر عمقاً للشرق عبر زيارة دولة قام بها الرئيس عبد الحميد تبون إلى جمهورية الصين الشعبية انطلاقا من الاثنين الماضي، واستمرت لبضعة أيام، بقصد تجديد اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين منذ 2016 والتي انتزعت عبرها الصين المرتبة الأولى في السوق الجزائرية إذ تصل قيمة التبادلات ما يتجاوز عشرة مليارات دولار.

الجزائر بتعميق توجهها إلى الشرق استراتيجياً، تسعى بشكل واضح لأن تخرج من دوامة الريع الاقتصادي المعتمدة على مداخيل الغاز والنفط بحسب بيانات حكومة تبون منذ توليها مقاليد الحكم بعد عقود من حكم الراحل عبد العزيز بوتفليقة، الذي تراجعت خلالها مكانة الجزائر دبلوماسياً، وظلت مكتفية في آخر سنوات بوتفليقة بـ «الدبلوماسية اللوجستية»، ما لم نقل الاكتفاء بدور مراقبة تطورات القضايا الأفريقية والإقليمية والمتوسطية.

الجزائر الساعية لتدشين مشروع ميناء بحري بمنطقة جبل علي سيمنحها فرصة أن تكون أحد منافذ الصين إلى العمق الأفريقي خصوصاً دول الساحل الحبيسة كدول مالي وتشاد والنيجر، بما يعزز مكانة بكين الاقتصادية والسياسية بالقارة السمراء في مواجهة واشنطن وباريس ولندن، مما يجعل من الجزائر ذات حضور أهم مع تلك العواصم، خصوصاً واشنطن التي تسعى لكسب الجزائر في صفها بشكل أكبر مما كانت عليه الأحوال قبل حرب أوكرانيا بسبب اتفاقيات التحالف الاستراتيجي التي تربط الجزائر بالروس.

بعد أقل من شهرين لزيارة الرئيس تبون للعاصمة الروسية موسكو يتعمق هاجس الجزائر في التوجه شرقاً كاستجابة منطقية لما يشهده العالم من تشكلات جديدة ما زالت لم تكتمل أطوارها الأولى، فبحسب مراقبين فإن النظام العالمي الذي يشهد إعادة هيكلة سيكون من الضروري أن يجد له ركائز وجود أساسية في منطقة غرب المتوسط وإقليم الساحل والصحراء كركائز مهمة يمسك عبرها بخيوط قضايا عديدة كالطاقة والإرهاب والهجرة والتهريب، وهي مناطق تحتل فيها الجزائر حيزا جغرافياً وأمنيا بسبب عوامل الجغرافيا والسياسة والخبرة.

تتزامن زيارة الرئيس تبون للصين ضمن حملة إعلامية داخلية نشطة تروج فيها الدولة رغبتها الشديدة للانضمام إلى منظمتي شنغهاي وبريكس بعد تصريحات الرئيس تبون التليفزيونية أواخر يوليو 2022، ويعبر العديد من خبراء الجزائر عن استيائهم من اتفاقيات بلادهم مع الاتحاد الأوربي، فالجزائر برأيهم «لا تكسب أرباحاً متعادلة مع دول الاتحاد الأوروبي» رغم ما أثبتته من مصداقية كمصدر بديل للطاقة منذ الحرب في أوكرانيا، إلا أن توجه الجزائر شرقاً يظل أقوى من أي خيارات أخرى مطروحة غرباً، خصوصاً أن إسرائيل تغازل المملكة المغربية أخيراً باستضافة مؤتمر النقب وتغريها، وفق تقارير صحفية دولية نُشرت أخيراً، باعترافها بسيادة مغربية على الصحراء الغربية محل تنازع مع الجزائر منذ عقود.

التوجه الجزائري نحو الشرق يبدو استجابة منه لما يشهده النظام العالمي من تشكل جديد ما زال في بداياته بقصد البحث لهم عن موطأ قدم فيه، وكمحاولة من الجزائر لخلق ثقل لها في أطواره القادمة، بما يعزز وجودها على المحاور الثلاثة، عربياً وأفريقياً ومتوسطياً، للتعاطي مع الإرهاصات العالمية المتجددة الآن لفكرة التخلي أو التقليل من الاعتماد على الدولار الأميركي في السوق العالمية، والأهم ما قد يكفل لها الاحتفاظ بأوراق مهمة في قضايا تشغلها داخلياً كتنشيط سوقها المحلية والتقليل من البطالة، إلى جانب قضايا ملحة جداً كالإرهاب والتهريب والبوليساريو والأزمة الليبية حيث ما زالت الجزائر تعتمد عسكرة الحدود مع ليبيا منذ اندلاع الفوضى بالبلاد بعد سقوط القذافي.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»