تحدثت مجلة «بتروليوم إيكونوميست» البريطانية عن درجة من التحسن الملموس في الوضع داخل ليبيا، انعكس في عودة عدد من شركات النفط الدولية للعمل بها بعد انقطاع استمر سنوات، لكنها رأت أيضا أن قرار المؤسسة الوطنية للنفط تأجيل جولة العطاءات النفطية المرتقبة، وهي الأولى منذ أكثر من 18 عاما تقريبا، علامة على «درجة ما من الخوف» بشأن تأثير الأوضاع الأمنية والسياسية على صناعة الطاقة بشكل عام.
ورأت المجلة، في تقرير نشرته أمس الإثنين، أن «عودة بعض من شركات النفط الدولية إلى ليبيا يعد تصويتا بالثقة على تحسن الوضع الأمني»، لكنها لفتت في الوقت نفسه إلى «مخاوف لا تزال قائمة بين المشاركين في جولة العطاءات النفطية المقبلة بشأن استمرار الأزمة السياسية وغياب حكومة موحدة».
تضم جولة العطاءات النفطية 22 قطعة برية وبحرية للاستكشاف على موارد جديدة للنفط والغاز، وأعلنت أكثر من أربعين شركة نفط دولية مشاركتها فيها. غير أن تأجيل عقد الجولة دون أي إشارة للموعد النهائي «لا يبعث على الثقة بين المستثمرين»، على حد تعبير المجلة.
91 مليار برميل من الاحتياطيات
تعد ليبيا من بين أكبر عشر دول منتجة للنفط في العالم، وتملك بالفعل احتياطيات غير مكتشفة تتخطى 91 مليار برميل من النفط المكافئ. وفي محاولة لجذب الاستثمارات الأميركية، زار وفد من المؤسسة الوطنية للنفط واشنطن، الشهر الماضي، لعرض تفاصيل وشروط جولة العطاءات الجديدة.
- بعد إطلاق جولات العطاء العام.. هل تواجه ليبيا مصاعب في جذب الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع النفط؟
- مؤسسة النفط: لدينا احتياطيات غير مطورة تقدر بـ4 مليارات برميل
- مع اقتراب جولة التراخيص الجديدة.. ليبيا تنتظر خرائط لمناطق الغاز غير المستغلة
ووصفت المجلة البريطانية الشروط التي تقدمها جولة العطاءات الجديدة بـ«الجيدة» بالنسبة إلى شركات النفط الدولية، إذ تمنحهم حصصا أكبر في الأرباح مقارنة بالجولة الأخيرة التي انعقدت بالعام 2007.
وقد وقعت المؤسسة الوطنية للنفط اتفاقات خلال الصيف تمنح أربعة امتيازات غاز بحرية إلى شركة البترول التركية. كما جرى الاتفاق على امتياز آخر قبالة الساحل الغربي مع «إكسون موبيل».
شروط أكثر سخاء
قارن التقرير البريطاني بين شروط جولة العطاءات الحالية وجولة العام 2007، وقال إن شروط الجولة الحالية أكثر سخاء بالنسبة إلى شركات النفط الدولية، مشيرا إلى تحسن حصة الشركة الأجنبية في شروط الجولة الحالية.
ففي جولة العام 2007، كانت تدفع شركات النفط الدولية كل تكاليف الاستكشاف والمخاطر، وفي حال العثور على هيدروكربونات، تُقسم تكاليف التطوير مناصفة بين مؤسسة النفط والشركة الأحنبية. وفور بدء الإنتاج، تبلغ حصة الشركات ما بين 10 و13% من الهيدروكربونات المُستردة.
لكن في الجولة الحالية، تحسنت تلك الشروط، حيث تدفع الشركة الأجنبية تكاليف الاستكشاف، وتحصل على 30% من العائدات إلى حين استرداد تكاليف الاستكشاف والتطوير. وفور استعادتها، تنخفض حصتها من الإيرادات إلى 10%.
كما تقدم الجولة الحالية حافزا آخر، يتمثل في أن التكاليف الأولية اللازمة للتسجيل والتقدم بعطاءات الامتيازات صغيرة نسبيا، وتتكون في معظمها من دفع ثمن الوصول إلى البيانات المتعلقة بمناطق الاستكشاف التي جمعتها بالفعل مؤسسة النفط.
فوضى سياسية
غير أن تقرير «بتروليوم إيكونوميست» قال: «الاضطرابات السياسية والأمنية التي تعانيها ليبيا لا تزال تخيم على مساعي أي شركة نفط دولية تفكر في ضخ استثمارات طويلة الأجل في ليبيا».
وأشارت المجلة إلى الأزمة السياسية التي لا تزال مسيطرة على المشهد مع غياب أي حكومة موحدة منذ العام 2011، وهو ما يؤثر على القطاع النفطي بطريقتين: الأولى هي غياب القانون الذي يسمح باندلاع اشتباكات دورية بين المجموعات المسلحة، ويرفع خطر تجدد الحرب الأهلية.
أما الثانية فهي غياب حكومة موحدة في ليبيا الذي يخلق حالة من الغموض وانعدام اليقين بشأن الصفقات والاتفاقات الطويلة الأجل مع شركات النفط الدولية. وقال التقرير: «تعتمد حكومة طرابلس، المعترف بها دوليا، بشكل كبير على دعم التشكيلات المسلحة في العاصمة، التي تتقاتل غالبا فيما بينها».
وأضاف: «يستمر التنافس بين الأطراف في شرق وغرب البلاد. غير أن الاعتراف الدولي يمنح رئيس حكومة (الوحدة الوطنية الموقتة)، عبدالحميد الدبيبة، السيطرة على العائدات النفطية، والسلطة لإطلاق جولة العطاءات الحالية».
وأوضح: «هذا الوضع يؤثر بشكل خاص على استكشاف الموارد النفطية الجديدة، لأنه لم يجر تعديل القوانين المتصلة بذلك التي تعود إلى عهد القذافي، والتي تنص على أن النفط والغاز الطبيعي ملك للشعب وليس الحكومة، وهذا التعريف يحمل أهمية كبيرة، لأنه يحد من نطاق العقود المبرمة مع شركات النفط الدولية».
وتحدد القوانين الحالية كمية النفط المسموح ببيعها إلى شركة النفط الدولية، وتسمح للمحاكم الليبية بإبطال أي عقد إذا رأت أنه أكثر سخاء بالنسبة إلى الشركة الأجنبية. لهذا رأت المجلة البريطانية أن الحل يكمن في انتخاب حكومة موحدة جديدة، تعمل على سن قوانين جديدة تنظم قطاع الطاقة، وهو أمر لا يبدو أنه سيحدث في أي وقت قريب.
توترات بحرية
تطرق التقرير أيضا إلى الجدل المثار حول مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا بالعام 2019، وترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة بين ليبيا وتركيا واليونان وقبرص، مشيرا إلى تفاقم التوترات مع إعلان اليونان، بداية العام الجاري، طرح مناطق للاستكشاف بالبحر المتوسط في مناطق تتداخل مع الحدود الاقتصادية الخالصة لليبيا وتركيا، وهو ما رفضه البلدان. كما أصرت تركيا على منع استكمال مشروع خط كهرباء بحري يمتد من اليونان عبر قبرص، كلف أوروبا 880 مليون دولار تقريبا خلال العام 2025 فقط.
لهذا انحاز الاتحاد الأوروبي إلى مزاعم اليونان، وقضى بأن مذكرة التفاهم البحرية بين ليبيا وتركيا لا تتوافق مع قانون البحار، وهو موقف ترفضه أيضا طرابلس وأنقرة.
وأثارت تلك التوترات حفيظة شركات النفط الدولية، ولا سيما تلك التي تعمل مع جانبي النزاع، حيث تخشى إثارة عداء أي طرف منها. ومن المرجح أن يُثير احتمال استكشاف شركتي «شيفرون» و«إكسون موبيل» الغاز في مواقع متنازع عليها بين ليبيا واليونان قلقًا لكلتيهما.
تهريب الوقود
في سياق متصل، أشار التقرير إلى أزمة تهريب المنتجات النفطية المكررة من ليبيا، وعدها أحد مثيرات القلق بالنسبة إلى شركات النفط الدولية مع اتساع نطاق تلك الظاهرة، وغض طرف السلطات المحلية الطرف عنها، على حد تعبير المجلة البريطانية.
وقد قدرت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة قيمة المنتجات النفطية التي يجرى تهريبها سنويا من ليبيا بخمسة مليارات دولار، أي ما يعادل خُمس عائدات ليبيا من الهيدروكربونات. ويجرى تهريب الوقود والمنتجات المكررة المستوردة عبر أسطول من الناقلات الصغيرة الحجم، التي تُعيد شحن حمولتها غير الشرعية قبالة سواحل مالطا.
تحسن قطاع الطاقة
على الرغم من الأزمات التي تمر بها ليبيا، رأت «بتروليوم إيكونوميست» أن المشهد في قطاع الطاقة على المدى القصير والمتوسط آخذ في التحسن، مع ارتفاع الإنتاج النفطي من 1.2 مليون برميل يوميا في 2024 إلى 1.4 مليون برميل يوميا بالعام الجاري.
كما أعلنت شركات مثل «بي بي» و«شل» و«إيني» وغيرها العودة لاستئناف أنشطة التنقيب والاستكشاف في ليبيا بعد انقطاع استمر سنوات، وهو ما عده التقرير «تصويتا بالثقة في تحسن البيئة الأمنية بليبيا».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات