هيمنت مشاعر الفقد وكلمات الرثاء على مواقف عديد من الساسة الليبيين فور إعلان نبأ رحيل المفكر والفيلسوف الليبي الكبير نجيب الحصادي في الأردن صباح اليوم الخميس، وغاب معها - ولو إلى حين- أي حديث عن هموم الوضع السياسي الليبي وأزماته التي لا تهدأ منذ العام 2011.
ويعرف الحصادي الذي توفى عن 72 عاما كواحد من أبرز المثقفين والمفكرين العرب، إذ ترك رصيدا فكريا في الفلسفة والثقافة بلغ 18 كتابا من تأليفه، و27 كتابا مترجما.
ووصف رئيس حكومة الوحدة الوطنية الموقتة عبدالحميد الدبيبة، في بيان، الحصادي بأنه «منارة لبث الوعي الأخلاقي والعطاء العلمي بقيمه النبيلة، ومُثله السامية»، وقال الدبيبة إن الراحل «أثرى بمؤلفاته وترجماته البديعة المكتبة الليبية، ونشر هويتها الثقافية بكل افتخار بين كتاباته الأصيلة، كما شهدت له الجامعات ومجمع اللغة ببعد النظر، وصدق الكلمة، وأثره العميق في المشهد الأدبي والنقدي».
الحصادي.. أستاذ جامعي مقتدر
ورأى عضو المجلس الأعلى للدولة بلقاسم قزيط أن المفكر الراحل «ثروة قومية»، منوها إلى «مساهماته في حركة الترجمة والتأليف في الوطن العربي»، وقال «هو منارة درناوية وليبية ومثال مضيء للأستاذ الجامعي المقتدر»
وقال عنه خالد المشري إنه «رمز من رموز الفكر والثقافة، ساهم بعلمه وأفكاره في إثراء الحياة الفكرية في مجتمعنا وترك بصمةً في مجالات الفلسفة والأدب، وكان مثالًا للتفاني والإخلاص في خدمة بلاده».
ضمير الفلسفة الليبية والعربية
أما وزير الاقتصاد السابق ورئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار سلامة الغويل فقد نعى نجيب الحصادي، واصفا إياه بأنه «ضمير الفلسفة الليبية والعربية وعقل ناقد، وفيلسوف ملتزم». وأضاف الغويل «في كل معرض كتاب، كنت ترى اسمه يتصدر رفوف المكتبات ودور النشر من الرباط إلى بغداد، ومن القاهرة إلى الدوحة، حتى باتت مؤلفاته بمثابة جسور معرفية تعبر الزمان والمكان».
- ليبيا تفقد أحد كبار مفكريها الأكاديمي الفيلسوف نجيب الحصادي
- أوساط أكاديمية وفكرية تنعى الدكتور نجيب الحصادي
- الوسط الثقافي الليبي يدعو بالشفاء للأديب نجيب الحصادي
وقالت عضوة ملتقى الحوار السياسي آمال بوقعقيص إن الحصادي هو «النبيل الشهم المتواضع النموذج البهي للإنسان بعقله الثاقب وأدبه الجم». وكتبت بوقعقيص: «جمعتني به معرفة مجتمعية ثقافية، وتقدمت بالتعزية إلى أصدقائه «د. زاهي المغيربي، وأحمد يوسف عقيلة، وسالم العوكلي». وأضافت «هاتفني العوكلي منذ مدة وجيزة قائلا إنه كان يطل على شاليه نجيب في الجبل ينظفه ويرعاه، وأنه في قرارة نفسه على يقين أنه لن يعود».
الدعوة إلى تنظيم جنازة وطنية للحصادي
كلمات الحصادي المكتوبة والمسموعة، عدها رئيس حزب التجمع الوطني الليبي أسعد زهيو «رصاصات تطلق في سماء الجهل وتزرع بذور الوعي في تربة ظمأى للمعرفة» وليس مجرد نصوص أو خطب، وأضاف أن «خسارة ليبيا ليست كمّية تُحصى بعدد الكتب أو المقالات، بل هي خسارة نوعية لعمقٍ فكري نادر، ولرؤيةٍ ثاقبة قلّ نظيرها».
أما المحلل السياسي حسام فنيش فقد تمنى أن يتواصل صوت العقل في زمن الضجيج، إحياء لفكر نجيب الحصادي الذي لطالما كان «يعيد ترتيب المفاهيم ويمنحنا أدوات للفهم تمييزا بين الزيف والحقيقة». كذلك ذهب الكاتب الليبي عبدالرحمن الجعيدي إلى دعوة قوات القيادة العامة إلى «تنظيم جنازة وطنية كبرى للراحل نجيب الحصادي».
إرث نجيب الحصادي الفكري
ولد نجيب الحصادي في الخامس والعشرين من شهر أغسطس العام 1952 بمدينة درنة، وتعلم في المدارس الليبية من ابتدائي وإعدادي وثانوي، وفي سنة 1977 سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية للدراسة بجامعة جورج تاون، وتحصل على درجة الماجستير من جامعة ويسكونسن-ماديسون سنة 1979، أما الدكتوراه فقد اجتازها بنجاح بجامعة ويسكونسن-ماديسون سنة 1982 وذلك في موضوع بعنوان «نقد تصور تومس كون في العقلانية العلمية».
وعقب عودته لأرض الوطن تولى نجيب الحصادي رئيس قسم الفلسفة كلية الآداب جامعة بنغازي في الثلث الثاني من عقد التسعينيات، ثم سافر للعمل بجامعة الإمارات العربية المتحدة، وفيها تولى رئاسة قسم الفلسفة كلية العلوم الإنسانية خلال الفترة 2001 وحتى 2002، ثم تولى منصب العميد المشارك لوحدة التراث والثقافة بجامعة الإمارات أيضا من 2003 وحتى 2004، ثم رئيس لجنة الدراسات العليا بكلية العلوم الإنسانية جامعة الإمارات أيضا من 2004 وحتى 2005.
وخلف الأكاديمي نجيب الحصادي 18 كتابا من تأليفه، و27 كتابا مترجما، منها على سبيل المثال لا الحصر: «أوهام الخلط»، و«تقريظ المنطق»، و«تقريظ العلم»، و«نهج المنهج»، و«ليس بالعقل وحده»، و«معيار المعيار» و«أسس المنطق الرمزي المعاصر»، و«آفاق المحتمل جدلية الأنا-الآخر»، و«الريبة في قدسية العلم»، و«قضايا فلسفية»، و«الأغاليط»، و«في الوعي الأخلاقي والعلمي».
كما ترجم الحصادي كتبا عدة منها: «التفكير الناقد وطرح الأسئلة المناسبة»، و«دفاع عن العلم ضمن حدود العقل: بين العَلموية والتهكمية»، و«خريطة الثقافة: فك شفرة الكيفية التي تؤثر بها الثقافة في التفكير والقيادة وإنجاز المهام»، و«دليل أكسفورد في الفلسفة»، وبالتعاون مع الدكتور زاهي المغيربي ترجم كتب «ضلع الإنسانية الأعوج»، و«التنوير متنازعا فيه».
ونشر الحصادي أبحاثه الكثيرة في أغلب الدوريات ومنها: «ماهية الفلسفة»، و«العولمة: الخيار الجيني»، و«قتل المرحمة»، و«الوعي الفلسفي ومستقبل الفلسفة في الجامعات الليبية والخليجية»، و«الوعي الزائف والنسبانية الأخلاقية»، و«قيمية العلم»، و«في التعليم العام - مشروع ليبيا 2025».
ومن أبحاث الحصادي أيضا «دفاع عن الارتيابية»، و«سجايا ليبية»، و«ظاهرة الاندياح ومسألة الهوية»، و«في الجزاء الأعظم»، و«توقيت تنفيذ عقوبة الإعدام بين سوانح التراخي وعذابات الانتظار»، و«احترازات فلسفية»، و«تعايش الليبي مع الآخر الأجنبي والجندري والديني»، و«في العيش المشترك في ليبيا».
تعليقات