لم تكد تنطفئ «حرائق الأصابعة» الغامضة ويهدأ الجدل بشأنها حتى جاء الحديث مجدداً عن الخيار الفيدرالي ليشعل ناراً من نوع آخر تمثل في الجدال الحاد حول هذا الخيار، فقد توالت التصريحات على ألسنة أطراف السلطة المتعلقة حول حالة الانقسام التي تعيشها ليبيا، والتي ترددت فيما كانت تبحث اللجنة الاستشارية تحت رعاية الأمم المتحدة خيارات حل الخلافات المتسببة في الأزمة السياسية القائمة في البلاد، ما شكل نوعاً من خلط الأوراق قد يزيد الأزمة تعقيداً.
وفي هذا الوقت واصلت الدبلوماسية الغانيةّ، هانا تيتيه، منذ تسلمها مهامها عقد سلسلة لقاءات تعارفية مع مسؤولين ليبيين ودبلوماسيين أجانب منذ وصولها إلى طرابلس لرئاسة بعثة الأمم المتحدة للدعم، تمهيداً لتسيير حوار وطني بين الأطراف وممثلي الجهات الفاعلة، بناء على تقديم لجنة العشرين الاستشارية مخرجاً قانونياً لحالة التناقضات العميقة القائمة في مشاريع لوائح الانتخابات السابقة.
لقاءات الكوني تفتح مجددا جدل «الأقاليم»
وسط هذا المشهد أطل عضو المجلس الرئاسي، موسى الكوني، بإشارة فسرت بأنها طرح لخيار اللامركزية أو الحل الفيدرالي، بدعوى أنه الأمثل لإخراج ليبيا من حالة الانسداد السياسي، لكن آخرين رأوا فيه محاولة لإعادة إنتاج الأزمة باتجاه منحى جديد، إذ كرر الكوني، الذي يمثل منطقة الجنوب الليبي في تركيبة المجلس الرئاسي، على مدى يومين الحديث عن «الأقاليم الثلاثة» وعودة العمل بنظام المحافظات كسلطة تنفيذية في البلاد ضمن اجتماع مع رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات عماد السايح، وآمر المنطقة العسكرية بالساحل الغربي الفريق صلاح الدين النمروش.
وخلال لقائه أيضاً سفير المملكة المتحدة لدى ليبيا، مارتن لونغدن، في العاصمة طرابلس أكد الكوني أهمية العمل بنظام الأقاليم الثلاثة مع مجالس تشريعية مستقلة، لضمان تحقيق الاستقرار في مختلف مناطق ليبيا.
وتقتضي هذه الرؤية ـ التي لم يحسم الأمر بشأنها إن كان يتبناها المجلس الرئاسي، أو هي رأي الكوني الشخصي ـ عودة العمل بنظام المحافظات لسهولة متابعتها، ولضمان نيل كل مناطق ومكونات الشعب الليبي حقوقهم بتسلمها ميزانياتها لإدارة مشاريعها، ولتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية التي ستتفرغ لدورها السيادي.
ويقصد بالنظام الفيدرالي ضمان الحكم المحلي لـ«أقاليم» ليبيا الثلاثة وهي طرابلس وفزان وبرقة، مع تقاسم عادل للسلطة والثروة، ما يشبه الوضع الذي كانت عليه ليبيا بعيد إعلان استقلالها من الاحتلال الإيطالي العام 1951 تحت اسم المملكة الليبية المتحدة، قبل تعديل هذه الوضعية في العام 1963 بتوحيد هذه «الأقاليم» ليصبح اسمها المملكة الليبية، لكن الآن في غياب دستور عام ينظم الحياة السياسية، فإن الظروف تختلف تماماً عن تلك الحقبة، حيث تعيش ليبيا حالياً انقساماً في المؤسسات السياسية والاقتصادية والمالية والأمنية.
- للاطلاع على العدد «485» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
تصريحات الكوني تثير الجدل
وأثارت هذه التصريحات استغراب عدد من الساسة وخبراء القانون الدستوري، كون الأطراف التي تروج لأي حلول سياسية في رأيهم هي هيئات موقتة تقتضي مهمتها التمهيد لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، أما القرارات السيادية المتعلقة بشكل الدولة مستقبلاً فهي من حق الشعب وحده بعرضه للاستفتاء عبر صناديق الاقتراع، وليس عبر استعراضه أمام السفراء الأجانب.
ولم يكن دعاة عودة الملكية بعيدين عن هذا الجدل، إذ اعتبر رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني لتفعيل دستور الاستقلال وعودة الملكيّة الدستورية لليبيا، أشرف بودوارة، أن حديث عضو المجلس الرئاسي، موسى الكوني، عن تقسيم ليبيا إلى ثلاثة أقاليم بمجالس تشريعية مستقلة «الغرض منه تهديد وحدة ليبيا واستقرارها وتهديد للمنطقة ودول الجوار، ومن شأنه فتح الباب أمام التدخلات الأجنبية ونشر المزيد من القوات الاجنبية والمرتزقة في البلاد»، كما يغذي الصراعات الداخلية على السلطة والمال، ويشوش على عمل اللجنة الاستشارية المشكلة من قبل بعثة الأمم المتحدة، ويرى بودوارة أن الحل «يكمن في خارطة طريق واضحة المعالم مثل التي دعا إليها ولي العهد السابق الأمير محمد السنوسي».
ودخلت الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور من جهتها على خط الجدال، فلفت رئيس الهيئة، نوح عبدالسيد، في تصريح له إلى أن النظام الفيدرالي لم يحصل على النصاب الكامل لاعتماده ضمن مسودة الدستور، مؤكداً أن الهيئة هي الجهة المختصة الوحيدة بعرض نظام الحكم على الشعب عن طريق الاستفتاء.
وينظر المؤيدون إلى الحل الفيدرالي كمخرج يمنع احتكار السلطة والثروة من قبل فئة قليلة، وينهي حالة الانقسام الحكومي غرباً وشرقاً، والتي كشفت في الأيام الأخيرة غياب التنسيق حتى داخل الحكومة الواحدة.
دعوات لطرح مشروع الدستور للاستفتاء
كل هذا الجدل بتفرعاته التي قد تلقي بظلالها على مسار العملية السياسية لحل الأزمة في البلاد يعزز الدعوات إلى التعجيل بطرح مشروع الدستور المنجز من الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور منذ العام 2017 للاستفتاء، وهو ما تطالب به الهيئة في عديد المناسبات، إلى جانب بعض الأطراف السياسية بمن فيهم من يسمون بأطراف الأزمة.
وفي هذه الأثناء ينتظر متابعون للحالة الليبية ما تسفر عنه اجتماعات لجنة العشرين الاستشارية العاملة تحت مظلة البعثة الأممية في ليبيا بشأن معالجة مسببات الخلافات المعيقة للعملية السياسية والوصول إلى الاستحقاق الانتخابي، غير أن هذه اللجنة لم تسلم من حالة الجدل التي أثيرت بشأنها منذ الإعلان عن تشكيلها، بين مؤيدين لها ومتفائلين بأسماء أعضائها، وآخرين مشككين في جدواها وقدرتها على طرح حلول حاسمة لتغيير الوضع المتأزم القائم.
تعليقات