قال الخبير الليبي د. محمد الشحاتي إن النخب الإدارية في النظام الليبي التي تقود المؤسسات الحيوية مصابة بنوع من «الدروشة الاقتصادية»، منها ما يصدره المصرف المركزي من بيانات مالية عن إيرادات ومصاريف بدعوى الإفصاح والشفافية، وهي أرقام غير مؤكدة تظل في مرحلة الإحصاء الأولي.
وأوضح الشحاتي، في مقال بصفحته على موقع «فيسبوك»، أن هذه البيانات الشهرية بمثابة «تصور ساذج للشفافية والإفصاح»، يحجب «التوثيق الرسمي، والاعتماد المحايد»، ووصفها بـ«الدروشة النقدية».
وأضاف أن المطالبة بإلغاء الدعم أو استبداله نقديا، لإيقاف التهريب، أو تعويم الدينار لمنع المضاربة، هي أشبه بـ«استراتيجيات طائر النعام» عندما يدفن رأسه في الرمال في حال أحس نفسه طريدة لحيوان مفترس.
كما رأى الخبير النفطي أن التقرير الشهري لمؤسسة الوطنية للنفط يذيع «أسرار الدار» التجارية، التي لن يستفيد منها أحد، بل في الواقع ستسبب بلبلة كبيرة، لأن هذه البيانات سيجرى تعديلها مئات المرات بسبب التسويات المحاسبية والمراجعة الوسيطة والنهائية. وفيما يلي نص مقال د. محمد الشحاتي.
المصالح المخفية لـ«لوبيات» السوق الحرة
هناك نوع من «الدروشة الاقتصادية» مصاب بها النظام الليبي. هذه الدروشة مستمدة من نصائح أفراد يتبعون طوعا أو جهلا مذهب «صبية شيكاغو» في الاقتصاد الذي انتشر في تشيلي بالثمانينات. هذا المذهب يدور أساسا على العلاج بالصدمة، أي هدم الهيكل الاقتصادي الحالي لمصلحة نظام يتبع اقتصادات السوق بالكامل. وبينما هناك أسباب حقيقية يجب أن تدفع إلى الإصلاح الاقتصادي باستخدام نظام السوق، خصوصا في خطط التنوع الاقتصادي الإنتاجي، إلا أن المصالح المخفية للوبيات السوق الحرة، وتصورهم أنهم قادرون على حل مشاكل الانهيارات التي ستحدث بالتتابع التلقائي لآليات العرض والطلب، هي من تقود هذا السلوك. المخزي في الأمر هو إذعان النخب الإدارية التي تقود المؤسسات الليبية الحيوية لهذا التيار الجارف الذي تغذيه وسائل الاتصال الاجتماعي، وبعض القنوات التلفزيونية الليبية الموجهة.
أسرار تجارية يستفيد منها المنافسون والشركاء
من ضمن هذه «الدروشة الاقتصادية» هو تصور معين ساذج للشفافية والإفصاح، يتركز على فضح «أسرار الدار»، وفي الوقت نفسه حجب التوثيق الرسمي والاعتماد المحايد. ومن غير المعروف ما هو السبب في توالي مؤسسات كبرى، بداية من مصرف ليبيا المركزي، المؤسسة الوطنية للنفط، وزارة المالية، وبعض الأطراف الأخرى، على نشر تقارير مالية شهرية غير مراجعة عن بيانات مالية غير مؤكدة، تظل في مرحلة الإحصاء الأولي، كمرجع يعبر عن الشفافية والإفصاح كما تعلن في ديباجة بياناتها.
شخصيا كنت مثلا من المعترضين على نشر مثل هذا التقرير الشهري من المؤسسة الوطنية للنفط، فالتقرير هو أشبه بإذاعة «أسرار الدار» التجارية، التي لن يستفيد منها أحد، بل هي في الواقع ستسبب بلبلة كبيرة، لأن هذه البيانات سيجرى تعديلها مئات المرات بسبب التسويات المحاسبية والمراجعة الوسيطة والنهائية. هذا فضلا عند إذاعة هذه الأسرار التجارية سيستفيد منها فقط المنافسون والشركاء في تخطيط تعاملهم المستقبلي مع المؤسسة، وهي بالمناسبة تتعارض مع مبدأ «سرية المعاملات» التي تشملها جميع عقود المشاركة والبيع والشراء، وغيرها. طبعا السرية تعني هنا عدم تسريب معلومات يستفيد منها الطرف الآخر، ولكنها بحكم القانون متاحة للأجهزة الرقابية.
أما «الدروشة النقدية» المصاب بها المصرف المركزي فهي شيء يدعو للاستغراب، حيث إنه يصدر بيانا شهريا عن إيرادات ومصاريف ليست له بها أي علاقة في كيف يجرى تحصيلها وكيف يجرى إنفاقها. هو بالضبط كمن ينشر كشف حساب زبون المصرف على العامة. الصحيح أن يجرى النشر من أصحاب الاختصاص، فهم أقدر على التفسير، إلا أن المصرف المركزي لا يزال مصرا على اتباع سياسة «إلقاء اللوم على الغير»، وهي سياسة غير مستدامة، وستؤدي إلى نتائج وخيمة على دواليب الدولة.
المصارف المركزية، وفقا لنظرية إنشائها، تهتم أساسا بالتحكم في التضخم في الدولة، ولها في سبيل ذلك اتباع سياسات نقدية معروفة. ففي الدول النامية، تُضاف إلى مسؤولية التحكم في التضخم مسؤولية أخرى، وهي الدفاع عن مستوى سعر صرف العملة المحلية، حيث إن هذه المصارف تعمل وفقا لنظام سعر الصرف المثبت من الدولة. الكثير ممكن يقال هنا عن حتمية التحول إلى التعويم في ظل التوجه إلى نظام سوق كامل، ولكن هذا لن يحدث في وقت قريب، لعوامل كثيرة لا يمكن سردها في هذا المقال القصير.
نظام «الدروشة الاقتصادية» نفسه الذي يطالب بإلغاء الدعم أو استبداله نقديا، لإيقاف التهريب، أو تعويم الدينار لمنع المضاربة، شيء يشبه استراتيجيات طائر النعام عندما يدفن رأسه في الرمال في حال أحس نفسه طريدة لحيوان مفترس، أو مثل طائر الدجاج الذي يبربش في الأرض، فوجد السكين الذي استخدمه الجزار في ذبحه، حيث يصر المصرف المركزي على نشر البيانات النيئة، ليستخدمها المضاربون في المراهنة على سعر صرف الدينار، بينما يخرج الكثير من المحللين ليشرحوا لنا المعاني المخفية وراء بيانات المركزي، إلا أن معظم تلك التحليلات هي مماثلة لصراع «دون كيشوت» طواحين الهواء، وهي غير مدعمة بالتحاليل الرقمية والتجارية المنطقية.
حفلات «الدروشة» وتحرك قوى المضاربين
في ظل حفلات الدروشة التي تقام بعد إصدار كل بيان، تتحرك قوى المضاربين لاستغلال الفجوات الخطيرة التي يتركها البيان غير مشروحة وغير مفصلة للعامة. وما يزيد سرعة الدوران الدرويشي هو التحليلات السطحية التي تخرج علينا من بعض وسائل الإعلام، حيث يجرى الدوران في حلقات مفرغة لموازنة الأرقام والبيانات، وهو أمر لا يمكن منطقيا أن يحدث في ساعات قليلة، ودون مراجعات منطقية لمثل هذه البيانات.
التحضر هو تسجيل المؤسسات بياناتها في حسابات دورية وختامية وفقا لمعايير محاسبية دولية، ويجرى اعتمادها من طرف ثالث مستقل ومحايد، وعرضها في وسائل الاعلام، وتقديمها إلى السلطات الرقابية موثقة، حتى لا يجرى التهرب من آثارها. المرعب أن بيانات المركزي بدأت تحل محل آليات محورية لا يمكن للمجتمع الليبي أن يتقدم دونها، فالميزانية والرقابة عليها، بعد هذه البيانات التي لا يعرف لها مرجع تشريعي، أصبحت بديلا لقانون الميزانية. وبسبب الطبيعة الاتكالية للمجتمع الليبي، بالإضافة إلى تفضيل بعض سلطات الأمر الواقع هذا الوضع غير الطبيعي، فقد أصبحت هذه البيانات الشهرية مصدرا للميزانية، وأضحت تعليقات وسائل الاتصال الاجتماعي المتصارعة هي الرقابة على أدائها.
تعليقات